فهرس الكتاب
النووي والظاهر بيبرس
كان الإمام محيي الدين يُكثِر المكاتبات إلى الملك الظاهر بيبرس ينصحه ويعظه، قال الشيخ علاء الدين بن العطار: كتب الشيخ محيي الدين ورقةً إلى الظاهر بيبرس تتضمَّن العدل في الرعية وإزالة المكوس، وكتب فيها معه جماعة ووضعها في ورقة كتبها إلى الأمير بدر الدين بيليك الخزندار بإيصال ورقة العلماء إلى السلطان، وصورتها:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله يحيى النووي.
سلام الله - تعالى - ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاَّه بالحسنات، وبلَّغه من أقصى الآخرة والأولى كلَّ آماله، وبارك له في جميع أحواله، آمين.
وينهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش وضعف حال؛ بسبب قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات وهلاك المواشي، وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم فإن الدين النصيحة، وقد كتب خدَمة الشرع الناصحون للسلطان المحبوبون له كتابًا يذكِّره النظر في أحوال رعيته والرفق بهم، وليس فيه ضرر، بل هو نصيحة محضة وشفقة وذكرى لأولي الألباب، والمسؤول من الأمير - أيده الله تعالى - تقديمه إلى السلطان أدام الله له الخيرات، ويتكلم عنده من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدَّخرًا له عند الله - تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30] .
وهذا الكتاب أرسله العلماء أمانة ونصيحة للسلطان - أعز الله أنصاره - ويجب عليكم إيصاله للسلطان - أعز الله أنصاره - وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة ولا عذر لكم في التأخُّر عنها، ولا حجة لكم في التقصير عنها عند الله - تعالى - وتسألون عنها يوم القيامة: {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشعراء: 88] ، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37] .