فهرس الكتاب
فتمَّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا، وغالى في ثَمنِهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير.
قال السُّبْكي: وهذا ما لم نسمع بمثله من أحد.
وفي أثناء تولِّيه منصب رئيس القضاة في مصر بعد حوالي سنةٍ من تقلُّده هذا المنصب، أبْطل شهادة الوزير معين الدين بن شيخ الشُّيوخ وزير الملك الصَّالح نجم الدين، وذلك على أثر بناء بعض غلمانه طبل خانة (يشبه نادي الموسيقى) على سطح المسجِد، وقد قام العزّ وأولاده بهدْم هذا البناء، وأسقط شهادة الوزير، ثمَّ عزَل نفسَه من القضاء، وقبِل السُّلْطان الاستِقالة على مضض فقد عظم عليه ذلك.
وبعث السُّلْطان رسولًا من قِبَلِه إلى الخليفة المستعصم ببغداد، وسُئِل هذا الرَّسول: هل سمع الرِّسالة من الخليفة نفسه؟ فقال: بل من الوزير (أستاذ الدار) فكان جواب الخلفية الصَّاعق: إنَّ المذكور أسقطه ابن عبدالسلام فنحن لا نقبل روايته، فاضطرَّ الرَّسول إلى العودة إلى السلطان وإبلاغه بالأمر ثم رجوعه إلى بغداد بعد تصْحيح الرِّسالة.
كانت مواقف العزّ الجريئة في الحقّ الصَّريحة في العدل كثيرة جدًا، فحين دمَّر التَّتار بغداد واكتسحوا معظم بلدان الشَّام وأرادوا المسير إلى مصر للقضاء عليْها، كان على عرْش مصر المنصور عليّ بن المعزّ أيبك، وهو صغير السنّ، ووصيّه الأمير قطز، وقد بلغ العزُّ من العمر عتيًّا؛ إذْ قارب الثَّمانين، وكان يدرس في المدرسة الصَّالحية، وينشر العلم في بيتِه وفي المسجد، وله المكانة المرموقة كعالم كبير لمشورته أثرٌ ولرأيه صدى.
كان الخطر يتهدَّد مصر كما يتهدَّد بقيَّة بلاد الشام وبلادًا إسلاميَّة أخرى، ولا بدَّ من العمل الحازم لوقْف هذا الزَّحف الشرير، وأرسل الملك النَّاصر صاحب حلب والشَّام كمال الدين ابن العديم في سنة 657 إلى مصر يطلب منهم النَّجدة على قتال التتار.
فجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتِهم واتِّخاذ الخطوات اللازمة لمواجهة التَّتار، فحضروا في دار السَّلطنة بقلعة الجبل، وحضر الشَّيخ عز الدين ابن عبدالسلام والقاضي بدر الدين السخاوي قاضي الديار المصريَّة وغيرهما من كبار العلماء.