الصفحة 72 من 112

وجلس الملك المنصور على عرْشه، وتكلَّم متكلِّم فاستعرض الوضع واحتِياج النَّاس إلى مواجهة قويَّة للتتار، وإلى سلطان حازم ومال يغذُّون به بيت المال، وهذا يكون بشيءٍ من مساعدة مال الرَّعية لإقامة الجند وتجهيزهم للسَّفر، وانتهى المتحدِّث الرَّسمي فسكت الحضور.

ثمَّ تحدَّث العزّ بن عبدالسلام فكان في رأيِه السَّداد وفي وقوله النصح والجرأة، فلم يرْض أن يرهق الشَّعب بالضَّرائب بينما بعض الأمراء والأعيان وبيت السّلطان يتمكَّنون من البذْل بسخاء، فقال: إذا طرق العدوّ بلاد الإسلام وجَب على العالم قتالُهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعيَّة ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيءٌ من السلاح والسروج الذهبيَّة والفضّيَّة والكبابيش المزرْكشة، وإسقاط السيوف والفضَّة وغير ذلك، وتبيعوا ما لكم من الحوائص الذهبيَّة والآلات النفيسة، ويقتصر كلّ الجند على سلاحِه ومرْكوبه ويتساووا هم والعامَّة، وأمَّا أخذ الأموال من العامَّة مع بقايا في أيْدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا.

وانفضَّ المجلس على ما قاله سُلْطان العلماء، وحظِي توجيهُه بالقبول والرّضا.

ولم يطُل الأمد حتَّى خاض المسلِمون معركة هائلةً في عين جالوت، وانكسر التَّتار شرَّ كسرة وانهزموا مدْحورين، فكانت معركة تاريخيَّة رفعتْ رأس المسلمين عاليًا، وردَّ الله التَّتار على أعقابِهم خائبين، لقد كان العزّ بن عبدالسَّلام من القلائل الَّذين يعلو بهم شأن الأمَّة ويسمق مجدها، وكان له الصَّوت المجلجل بالحقّ لا يخنع لذي سلطان ولا يحابي ذا وجاهة.

روى السُّبْكي قول الملك الظَّاهر بيبرس بعد وفاة العزّ حينما مرَّت جنازة الشَّيخ تحت القلعة، وشاهد كثرة الخلق الذين معه:"اليوم استقرَّ أمري في الملك؛ لأنَّ هذا الشَّيخ لو كان يقول للناس: اخرجوا عليْه، لانتزعوا الملك مني".

روى السبكي قال: سمعت الشيخ الإمام - رحمه الله - يقول: سمعت شيخنا الباجي يقول: طلع شيخُنا عزّ الدين مرَّة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد العسْكر مصطفِّين بين يديه ومجلس المملكة، وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصريَّة، وأخذت الأمراء تقبِّل الأرض بين يدي السُّلطان، فالتفتَ الشيخ إلى السلطان وناداه: يا أيوب، ما حجَّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثمَّ تبيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت