الصفحة 98 من 112

فإذا كان هذا حال القرْن الثَّاني فما ظنُّك بأهل هذه القرون الَّتي عاد المعروف فيهم منكرًا والمنكر معروفًا، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير، والبِدَع فشتْ فيمن يدَّعي العلم حتَّى اعتقدوا في ربِّهم وخالقهم ما يتقدَّس عنه ويتعالَى، سبحان الله عما يصفون.

وهذا في حقّ مَن عرفه إذا كان حازمًا ناصحًا لنفسِه استيْقظ في طلب ما يُنجيه، ويسعده في دنياه وأُخراه من العلم النَّافع والعمل الصَّالح، ويكون مبنى أقوالِه وأفعاله على الإخلاص والمُتابعة على علم ومعرفة ويقين، فمبْنى العبادة على محبَّة المعبود غاية المحبَّة في غاية الذّلّ والخضوع، كما قال ابن القيّم - رحمه الله:

وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ = مَعْ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ

وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ العِبَادَةِ دَائِرٌ = مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ القُطْبَانِ

وَمَدَارُهُ بِالأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ = لا بِالهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ

فالمحبّ له قلبه يَخشع وعينه تدمع، يحاسب نفسه بالإخلاص والمتابعة لرسولِه - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه، وهذا دليلُ المحبَّة كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] ، وهذا هو الصِّراط المستقيم لا يعرفه السَّالك ولا يهتدي إلاَّ بالكتاب والسنَّة علمًا وعملًا ومحبَّة وطلبًا.

كما في حديث عبدالله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا يؤمن أحدُكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به ) ) [1] ، وهذا لا يُدْرَك إلاَّ بالعلم النافع، والعلم النَّافع لا يدرك إلاَّ بالدخول من باب التَّواضع والاعتِراف بالجهل والتَّفريط، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - يستعين على ما حمِّل من أمور الناس بقرب أهل العلم وتقْريبهم إليه، وكان يقرِّب ابنَ عبَّاس على صغر سنِّه؛ لعلمه بالتأويل، وقد كان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى.

(1) أخرجه الحكيم الترمذي وأبو نصر السجزي في"الإنابة"، وقال: حسن غريب، والخطيب عن ابن عمرو"كنز العمال" (1/ 217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت