الصفحة 99 من 112

ومن سعادة العبد أن يتخذ له إخوان صدق ممَّن له علم ودين، يذكرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر، كما قال بعض السلف: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم؛ يعني بالعلم النافع والعمل الصالح، فإنَّهم زينة في الرَّخاء عدَّة في البلاء، يأنس بهم أصحابُهم في هذه الدَّار، وفي القبور ويوم البعث والنشور، وهم الحجَّة بين يدي الله تعالى حال العرض على الله، وهم الذين قرَّر الله توليهم بتوليه وتولّي رسوله، كما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55، 56] .

وهذه أمورٌ متلازمة لا يكون الله تعالى وليًّا لعبد حتَّى يكون الرَّسول له وليًّا، ويكون المؤمنون هم أولياءه دون كل من عداهم.

وقد وصَّى الله تعالى نبيَّه بالصَّبر معهم فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، ولهذا كان الحبّ في الله والبغْض في الله أوثقَ عُرى الإيمان؛ لما في الحديث الصَّحيح: (( أوْثق عُرى الإيمان الحبّ في الله والبغْض في الله ) ) [1] ، وفي الحديث الآخر: (( مَن أحبَّ في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك ) ) [2] ، ولن يجد عبدٌ طعمَ الإيمان وإن كثرتْ صلاته وصومُه حتى يكون كذلك.

وهم الذين وصَّى الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول لهم إذا جاؤوه: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] بشَّرهم عن ربِّهم بالمغفرة من ذنوبهم إذا تابوا إليه وأنابوا.

ووصَّاه بهم في قولِه: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] وبه تتمّ مصالح الدنيا والدين وقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] ، وفي العلم بما وصّى الله به نبيَّه من ذلك إصْلاح أمر الدنيا والآخرة.

(1) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي في"شعب الإيمان"عن البراء، والطبراني عن ابن عباس"كنز العمال" (9/ 6) .

(2) أخرجه بنحوه: أبو داود والضياء عن أبي أمامة"كنز العمال" (9/ 10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت