فهرس الكتاب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه .. أما بعد:
فإن الله جل وعلا جعل موسم الحج مؤتمرًا لعباده ، يجتمعون فيه من أنحاء الدنيا ومن سائر أجناس البشر ، يريدون القربة إلى الله وسؤاله والضراعة إليه ويطلبون حط ذنوبهم وغفران سيئاتهم ، ويرفعون إليه جميع حوائجهم ، يسألونه سبحانه من فضله ، ويتوبون إليه من تقصيرهم وذنوبهم ، ويتعارفون فيه ، ويتشاورون ويتناصحون ، ويتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر ، وذلك من جملة المنافع التي أشار إليها سبحانه في قوله عز وجل:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" (1) ، والله عز وجل ذكر أنهم يحضرون من كل فج عميق ، من الشرق والغرب والجنوب والشمال ، ليشهدوا هذه المنافع ، من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات وبالمزدلفة ويرمون الجمار ، وينحرون الهدايا ويحضرون مجالس العلم والذكر ، ويسألون أهل العلم عما أشكل عليهم ويتناصحون بينهم ، ويستفيد يعضهم من بعض ويحسن بعضهم إلى بعض ، هكذا يجب على المسلمين ؛ وهكذا شرع الله لهم ، وهو خلقهم سبحانه لهذا الأمر ، خلقهم ليعبدوه والحج من عبادته ، والعبادة أنواع ، أعظمها وأهمها عبادتهم إياه سبحانه لتوحيده ، وهو الإخلاص له ، فيشهد أنه لا معبود بحق إلا الله ، ويشهد أن نبيه محمدًا رسول الله ، شهادة تقتضي العمل ، لا مجرد الشهادة بالقول، بل شهادة معها العمل والصدق والإخلاص في العبادة لله وحده ، معها متابعة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ومعها الإيمان لجميع المرسلين الماضين، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ، قال تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (2) ، يبين سبحانه أنه ما خلق الجن والإنس إلا
(1) سورة الحج ، الآيتان 27 ، 28
(2) سورة الذاريات ، الآية 56