الصفحة 59 من 71

هذا حال أهل النار,فاتعظوا يا أولي الأبصار, من يرضى أن تكون النار له دار قرار, فبئس النار من دار: مظلمة المسالك, مبهمة المهالك, يخلَّد فيها الأسير, ويوقد فيها السعير, يُضربون فيها بمقامع من حديد, ويذوقون فيها العذاب الشديد, شرابهم فيها الحميم, ومستقرهم الجحيم, أمانيُّهم فيها الهلاك, وما لهم منها فكاك,قد شُدَّت أقدامهم إلى النواصي, واسودَّت وجوهُهُم من ظلمة المعاصي,ينادون من أكنافها, ويصيحون في نواحيها وأطرافها:يا مالك,قد حقَّ علينا الوعيد,يا مالك, قد نضِجَت من الجلود, يا مالك, أخرجنا منها فإنا لا نعود, فتقول الزبانية: هيهات هيهات, لا خروج لكم من دار الهوان, ولو أُخرجتم منها لكنتم إلى ما نُهيتم عنه تعودون, فعند ذلك يقنطون, وعلى ما فرَّطوا في جنب الله يتأسَّفون,ولا ينجيهم الندم, ولا يُغنيهم الأسف, بل يُكَبون على وجوههم مغلولين , النار من تحتهم, ومن فوقهم , وعن أيمانهم , وعن شمائلهم,, ومن أمامهم ومن خلفهم,فهم في النار غرقى:طعامهم نار, وشرابهم نار, ولباسهم نار, وفراشهم نار, وغطاؤهم نار, فهم بين مقطَّعات النيران , وسرابيل القطران, وضرب المقامع, وثِقل السلاسل. فهم يتجلجلون في مضايقها, ويتحطمون في دركاتها, تغلي بهم النار كغلي القدور, ويهتفون بالويل والثبور, يُصبُّ من فوق رؤسهم الحميم, يُصهر به ما في بطونهم والجلود, ولهم مقامع من حديد تُهَشِم رؤسهم وجباههم,فينفجر الصديد من أفواههم, وتسيلُ على الخدود أحداقهم, ويسقط من الوجنات لحومها,وهم مع كلِّ ذلك يتمنون الموت ولا يموتون. نعوذ بالله من ذلك ونسأل الله السلامة.

وبعد كل ما ذكرناه من وصف النار وحال أهلها قد يتضح السبب الذي جعل جبريل -عليه السلام- بعدما رأى كل ذلك ورأى النار يركب بعضها بعضًا, يظنُّ أن كلَّ من يسمع بها و بعذابها سيفعل كلَّ ما ينجيه منها ويتجنَّب كلَّ ما يوقعه فيها, لذا قال:"وعزتك لا يسمع بها أحدٌ فيدخلها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت