وذكر من أسباب السَّعادة: السعي والجد مع عدم القنوط والإعجاب بالعمل، قال رحمه الله بعد أن ذكر قول ابن مسعود «الهالك في اثنتين القنوط والعجب» : (وإنما جمع بينهما؛ لأنَّ السَّعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر، والقانط لا يسعى ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنَّه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى، فالموجود لا يطلب، والمحال لا يطلب، والسَّعادة موجودة في اعتقاد المعجب حاصلة له، ومستحيلة في اعتقاد القانط، فمن ههنا جمع بينهما) .
وذكر أنَّ أعظم نعمة هي الإيمان الذي هو أساس السَّعادة، قال رحمه الله: (فمفتاح السَّعادة: التيقُّظ والفطنة، ومنبع الشقاوة: الغرور والغفلة، فلا نعمة لله على عباده أعظم من الإيمان والمعرفة، ولا وسيلة إليه سوى انشراح الصدر بنور البصيرة، ولا نقمة أعظم من الكفر والمعصية، ولا داعي إليهما سوى عمى القلب بظلمة الجهالة) .
وليس الإحياء: (دعوة صارخة للتجويعِ والآصار والأغلالِ التي أتى رسولُنا صلى الله عليه وسلم لوضْعِها عنِ العالمين) .
فالإمام الغزالي رحمه الله يوازن بين الاهتمام في الدُّنيا والآخرة، وأنَّ حبَّ السَّلامة والعافية والكرامة في الدُّنيا لا يتنافى مع حبِّ الله والعمل للآخرة، فهو لا يغفل جانب الدُّنيا على حساب الآخرة، فقد قال: (وليس من شرط حبِّ الله أن لا يحب في العاجل حظًَّا ألبتة، إذ الدعاء الذي أمر به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فيه جمع بين الدُّنيا و الآخرة، ومن ذلك قولهم:(ربنا آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) وقال عيسى عليه السلام في دعائه: (اللهم لا تشمت بي عدوي، ولا تَسُؤْ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همي) ، فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدُّنيا، ولم يقل: (ولا تجعل الدُّنيا أصلًا من همي) ، بل قال: (لا تجعلها أكبر همي) وقال نبينا صلى الله عليه وسلم في دعائه: (اللهم إني أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدُّنيا و الآخرة) ، وقال: (اللهم عافني من بلاء الدُّنيا وبلاء الآخرة) ، وعلى الجملة فإذا لم يكن حبُّ السَّعادة في الآخرة مناقضًا لحبِّ الله تعالى فحبُّ السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدُّنيا كيف يكون مناقضًا لحبِّ الله، والدُّنيا والآخرة عبارة عن حالتين، إحداهما أقرب من الأخرى، فكيف يُتَصوَّر أنْ يحب الإنسان حظوظ نفسه غدًا ولا يحبها اليوم، وإنما يحبها غدًا لأنَّ الغد سيصير حالًا راهنة، فالحالة الراهنة لا بدَّ إلا أن تكون مطلوبة أيضًا إلا أنَّ الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها، وهي التي احترز عنها الأنبياء والأولياء، وأمروا بالاحتراز عنها، وإلى ما لا يضاد وهي التي لم يمتنعوا منها، كالنكاح الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك، فما يضاد حظوظ الآخرة فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه، أعني أن يكرهه بعقله لا بطبعه، كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته، لا بمعنى أنَّ الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ولا يستلذه لو أكله، فإنَّ ذلك محال ولكن على معنى أنَّه يزجره عقله عن الإقدام عليه، وتحصل فيه كراهة الضرر المتعلق به، والمقصود من هذا: أنَّه لو أحب أستاذه لأنَّه يواسيه ويعلمه، أو تلميذه لأنَّه يتعلم منه ويخدمه، وأحدهما حظٌّ عاجل والآخر آجل، لكان في زمرة المتحابِّين في الله، ولكن بشرط واحد، وهو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلًا، أو تعذَّر عليه تحصيله منه، لنقص حبُّه بسببه فالقدر