الذي ينقص بسبب فَقْدِهِ هو لله تعالى، وله على ذلك القدر ثواب الحب في الله، وليس بمستنكر أن يشتد حبُّك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به، فإن امتنع بعضها نقص حبُّك، وإن زاد زاد الحبُّ، فليس حبُّك الذهب كحبِّك للفضة إذا تساوى مقدارهما، لأنَّ الذهب يوصل إلى أغراض هي أكثر مما توصل إليه الفضة، فإذن يزيد الحبُّ بزيادة الغرض، ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية والأخروية، فهو داخل في جملة الحبِّ لله وحده وهو أنَّ كلَّ حبٍّ لولا الإيمان بالله و اليوم الآخر لم يُتَصَوَّر وجوده فهو حبٌّ في الله).
نعم في الكتاب دعوة إلى الزُّهد الذي قد يكون فيه مبالغة في الامتناع عن متاع الدُّنيا مثل قوله رحمه الله: (وقد اشتدَّ خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة وتمرين النفس عليها، ورأوا أنَّ ذلك علامة الشقاوة، ورأوا منع الله تعالى منه غاية السَّعادة، حتى روي أنَّ وهب بن منبه قال: التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما للآخر: من أين؟ قال: أُمِرْتُ بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه الله، وقال الآخر: أُمِرْتُ بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد، فهذا تنبيه على أنَّ تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير، ولهذا امتنع عمر رضي الله عنه عن شربة ماء بارد بعسل، وقال: اعزلوا عني حسابها، فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات بالشهوات وترك اللذات) .
ومن ذلك قوله: (أما علمت أنَّ ترك الاشتغال بالمال وفراغ القلب للذكر والتذكر والتذكار والفكر والاعتبار أسلم للدين، وأيسر للحساب، وأخف للمسألة، وآمن من روعات القيامة، وأجزل للثواب، وأعلى لقدرك عند الله أضعافًا، بلغنا عن بعض الصحابة أنه قال: لو أنَّ رجلًا في حجره دنانير يعطيها، والآخر يذكر الله، لكان الذاكر أفضل، وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر، قال: تركه أبرُّ به، وبلغنا أنَّ بعض خيار التابعين سئل عن رجلين، أحدهما طلب الدُّنيا حلالًا فأصابها، فوصل بها رحمه وقدم لنفسه، وأما الآخر فإنه جانبها فلم يطلبها ولم يتناولها، فأيهما أفضل؟ قال: بعيد والله ما بينهما، الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها، ويحك فهذا الفضل لك بترك الدُّنيا على من طلبها، ولك في العاجل إن تركت الاشتغال بالمال، وإن ذلك أروح لبدنك وأقل لتعبك، وأنعم لعيشك وأرضى لبالك، وأقل لهمومك، فما عذرك في جمع المال وأنت بترك المال أفضل ممن طلب المال لأعمال البر، نعم وشغلُك بذكر الله أفضل من بذل المال في سبيل الله، فاجتمع لك راحة العاجل مع السلامة والفضل في الآجل، وبعد فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيك إذ هداك الله به، وترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدُّنيا، ويحك تدبر ما سمعت وكن على يقين أن السَّعادة والفوز في مجانبة الدُّنيا) .
لكن هذه مقامات وأحوال لا يلزم الناس كلهم الأخذ بها، فإنَّ مِنَ النَّاس مَنْ لا تقوى نفسُه على العبادة إذا كان في شدة، أو كان جائعًا أو غير مروِّح عن نفسه ببعض المباحات التي تجدد نشاطه، كما قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: (ما زال جماعة من المتزهدين يزرون على كثير من العلماء إذا انبسطوا في مباحات، والذي يحملهم على هذا: الجهل، فلو كان عندهم فضل علم ما عابوهم، وهذا لأنَّ الطباع لا تتساوى،