فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 6

للشيخ ممدوح فخري المدرس في الجامعة الاسلامية

تميز عنصر النهضة في أوربا بالنسبة للمسيحية بظاهرتين متناقضتين، ظاهرة الإنكماش في الداخل وظاهرة الإنطلاق في الخارج وذلك حينما انجلى الصراع المرير بين الدين والعلم أو بتعبير أدق بين رجال الدين وتيار التطور العلمي الهائل الذي بدأ في أوربا، انجلى ذلك الصراع بهزيمة مروعة لرجال الدين ووضع بذلك حد لذلك الطغيان الذي مارسه أولئك الرجال باسم الدين عبر القرون وكانوا سدا منيعا أمام كل حركة فكرية حرة تحاول إخراج الناس من حكم هذا الكابوس الرهيب الذي يفرض سلطانه باسم الله، ويعتبر كل خروج عليه خروجًا على الله، ويبطش البطشة الكبرى مستهدفا الرؤوس المفكرة والعقول الكبيرة ورواد العلم والمعرفة الذين يهددونه في وجوده وكيانه.

ولكن سنن الله الكونية لا تغالب والظلم لا يدوم ولا يستطيع أحد أن يحول بين العقل وبين إستخدام حقه الطبيعي في التفكير والإنطلاق، ولا يستطيع الطغيان أن يكون حاجزا أبديا أمام العلم والمعرفة والحرية لذلك سرعان ما انهارت السدود (( المقدسة ) )أمام زحف التيار العلمي والتقدم الفكري وأزيحت الكنيسة ورجالها كعقبة رئيسية في طريق التطور وفقدوا بذلك كل سلطان لهم في المجتمع فأقصوا عن مراكز الحكم وطردوا من المدارس وانتزعت منهم أداة التوجيه والتربية وانزوت المسيحية في الكنائس والأديرة وسجنت هناك ولم يعد يسمح لها بأن تدس بأنفها باسم رجالها في شؤون الناس.

أمام هذا الإنهزام بحث رجال الدين المسيحي عن ميدان آخر يمارسون فيه نشاطهم ويعرضون فيه بضاعتهم وقد نبذتهم أرضهم ورفضهم أهلهم وأبناؤهم.

وكان المجال الطبيعي لهم هو البلاد المختلفة دينيا وحضاريا وكان العالم الإسلامي في مقدمة هذه البلاد المختلفة لذلك كان الهدف الرئيسي للمبشرين الذين انطلقوا في الأرض يبشرون لا بالديانة المسيحية ولكن بالإستعمار الجديد الذي كانوا يمثلون طلائعه في كل بلد، وكانت مراكزهم ومدارسهم القواعد الفكرية التي مهدت للإستعمار وروجت للغزو الفكري والحضاري وأوجدت القابلية للإحتلال وقدمت المبررات والمسوغات لهذا الغزو باسم العلم والمدنية وعلى أنه الطريق الوحيد للتقدم والرقي واللحاق بركب الحضارة، وقد خدمت حركة التبشير هذه جهتين مختلفتين: الجهة الاولى: هم المبشرون الذين وجدوا مصدرا جديد للإرتزاق بعد أن سدت في وجوههم أبواب الرزق في بلادهم، والجهة الثانية هي الدول الإستعمارية (( اللادينية ) )التي تولت طرد هؤلاء من بلادهم ثم امدتهم بعد ذلك بالمال الوفير لا إيمانا منها بدعوتهم ولكن لأن المبشرين كانوا ولم يزالوا طلائع الغزو الإستعماري والممهدين له بغزو فكري مسبق. وعلى هذا الأساس كان هذا التلاقي الغريب بين الأضداد في حركة التبشير.

ولقد حمل المبشرون أوزارهم وجاؤوا يدعون إليها في بلاد المسلمين، جاؤوا ببضاعتهم المزجاة وتجارتهم البائرة التي لم تجد لها سوقا رائجة بين ابناء جلدتهم جاؤوا إلى بلاد المسلمين آملين أن يجدوا سوقا نافقة لبضاعة أعرض عنها أهلها وذووها جاؤوا ليجدوا أمة غنية في الأخلاق غنية في التراث العلمي العريق، ذات ماض مجيد وحضارة مشرقة تتلألأ في بطون التاريخ، ووجدوا مع ذلك كله تخلفا مريعا في ميدان العلم والأخذ بأسباب الحياة الجديدة ومسايرة ركب الحضارة، مع جهل فاضح بالدين الذي ينتمون إليه وبالتراث الذي ينسب إليهم.

أضف إلى ذلك فقرا مدقعا يعم أمة تتحكم في مصادر الثروة في العالم تقريب. ومن هذه النوافذ الكبرى والفجوات الواسعة في حياة المسلمين تسرب المبشرون إلى بلادهم ثم إلى قلوبهم وأفكارهم وكان ذلك الإنقلاب الهائل في حياة المسلمين على أيدي المثقفين من ابنائهم الذين ربوا في محاضن التبشير وغذوا بألبانهم الفاسدة المصبوغة بصبغة العلم والمعرفة، ذلك الإنقلاب الذي يتجسد في جماهير المثقفين المرتدين من ابناء المسلمين المتنكرين لدينهم ولتاريخهم ولتراثهم الفكري والعلمي والقابلين أن يتنازلوا عن مكانتهم في التاريخ ومركزهم في العالم وأن يسيروا في ذنب القافلة يقلدون غيرهم ويحكون أقوالهم وأعمالهم بعد أن كانوا ممسكين بقيادة الإنسانية يوجهونها وجهة الخير بإذن الله.

ولكن المبشرين لم يحملوا إلى بلاد المسلمين شيئا يفتقرون إليه ولا يجدونه عندهم فما هو المعنى الجديد الذي جاء به المبشرون ولم يجدوا لدى المسلمين ما هو أفضل منه؟

ما هو المثل الأعلى الذي آتو به ولم يجدوا عند المسلمين أكرم منه وأمثل؟ ما هي القيم الدينية والخلقية التي أتوا بها ووجدوا المسلمين أفقر وأحوج إليها منهم، أجل لقد أتوا بالوسائل العلمية الجديدة وأتوا بمبتكرات حديثة في الميدان المادي الخالص، وببعض أنواع العلوم العصرية التي كانوا يستخدمونها في الحقيقة كستار وحجاب يستر غرضهم الأساسي وهدفهم الحقيقي وهو التمكين لأنفسهم ولأفكارهم في بلاد المسلمين وذلك بمحاربة الإسلام في نفوس أبنائه بأساليبهم الملتوية الماكرة.

و هنا لابد من الإشارة إلى بعض الحقائق البارزة في دعوة المبشرين وإلقاء الأضواء العابرة على ما فيها من عيوب بادية تصدم العقل السليم والفطرة النظيفة للمسلمين عقيدتهم وشريعتهم ومنهجهم الكامل في الحياة ونظرتهم المتكاملة في الكون والحياة والإنسان وكل ذلك منبثق من كتاب ربهم وسنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت