فهرس الكتاب
فلا تزال الدنيا تتطلع إلى سماع صوت دعوتكم ، قبل سماع سوط سخطكم على المتآمرين وصريخ ثأركم من الجبارين ، لا يزال المسلمون والبشرية كلها معهم في أشد الحاجة إلى فقه العالم منكم ، وثقافة المفكر ، وحلم السياسي ، وصبر المربي ، ومثابرة الداعية ، بما لا يقل عن الحاجة إلى مصابرة المرابطين ، ورباطة جأش المجاهدين في المشروع من الميادين ، لم نسدَّ بعدُ نحن الإسلاميين وإن كثرنا فرض الكفاية لأمتنا [1] من الأطباء الشرفاء والمهندسين الأكفاء ، والمعلمين والمهنيين الذين يكفون الأمة عار أن تظل عالة على عالم الكفاية ، ليس مطلوبًا من الإسلاميين فقط أن يكونوا خير الأدلاَّء على طريق النجاة في الآخرة ، بل المطلوب منهم أيضًا أن يكونوا في طليعة المصلحين للدنيا ؛ فصلاح الدنيا ، ورعاية مصالح الخلق مطلب شرعي أصيل ، وغاية التشريع الإسلامي الذي تشرئب إلى تحقيقه وتطبيقه كافة الفصائل الإسلامية ؛ هي الإصلاح فيما يمنع وفيما يمنح ، فيما يُحل وفيما يُحرم ؛ لأن من أنزل هذا التشريع سبحانه لا يريد بالناس إلا بيان الحق والهداية إليه وإصلاح الدنيا والآخرة به .
قال تعالى: [ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ] (النساء: 26-27) .
(1) الواجب الكفائي: هو الذي يدرك القائم به تأدية الفرص ونافلة الفضل ، ويخرج من تخلف عنه عن المآثم ، وهو الفرض الذي إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الكل ، وإذا قعد عنه الكل أثم الجميع ، انظر: الرسالة للإمام الشافعي ، ص 363 ، ومن أمثلته: استيعاب العلوم البحتة والتطبيقية إلى حد الاكتفاء عن الغير .