الصفحة 26 من 28

ينتقل بك إلى خضم لا تكاد تدرك فيه نفسك فتغمرك الخشية من جانب، وتمثل هؤلاء الضالين متخبطين في عالم أسود لا ينبلج له صبح ولا تطلع فيه الشمس، كما أن كلمات المشبه به المتسقة المترابطة توحي بالنهاية المحتومة التي تحيط بهؤلاء، وبقلوبهم الكالحة التي لا تنبض بالرحمة، ولا تلين للحق.

ثم تأمل هذه الآية {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} (1) ..

إنها تمثل أعمال الكفار في ضياعها وذهابها إلى غير عودة بالرماد الهش الذي تذروه الرياح وتذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدًا.

إن القرآن يتخذ من الرماد وهو عنصر من عناصر الطبيعة مثلًا لأعمال الكفار الضائعة، ثم يبلغ قمة التأثير حينما يضم إلى الرماد الريح الشديدة العاتية، إن الرماد لا يقوى على الصمود أمام قوى الرياح العاتية العارمة، إنه يتحلل وتتفتت ذراته، ويصبح لا شيء في دنيا العدم وأعمال الكفار مهما جلت وكثرت كهذا الرماد الذي انعدم وتلاشى في جوف الريح الهادرة.

أرأيت أجمل من هذا التصوير الخالد ولا أعجب من هذا التمثيل المعجز؟..

إن في هذا التمثيل من قوة التأثير وجمال التعبير ما يعجز عن إدراكه أساطين البيان.

وعن بلاغة التمثيل في الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه اللّه:"ومشهد الرماد تشد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك؛ فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا."

(1) سورة إبراهيم آية 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت