فهرس الكتاب
هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان، ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث، وتصل الباعث باللّه مفككة كالهباء والرماد لا قوام لها ولا نظام فليس المعول عليه هو العمل، ولكن باعث العمل، فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية.. وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر" (1) ."
وتأمل هذه الآية الكريمة {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ (2) فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (3) فَآزَرَهُ (4) فَاسْتَغْلَظ (5) َ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ (6) يُعْجِبُ الزُّرَّاع..} (7) .
إن الآية الكريمة تمثل حال الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه- رضي اللّه عنهم- في ترقيهم في الزيادة إلى أن قووا واستحكموا بزرع أثمر وأينع ثم قوى وغلظ ثم استوى واستقام حتى أعجب الخاصة من الزراع والعامة من الناظرين.
إنه تمثيل عجيب، وتصوير فني بديع، يستمد عناصره من الطبيعة فيصل إلى نهاية الإبداع وقوة التأثير إنه يجعلك كأنك أمام مشهد يفيض بالحركة والحياة يجعل الغائب مشاهدا والخفي واضحا جليا، ويقرب المراد من العقل ويرفع الأستار عن الحقائق، ويعرض المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر.
(1) انظر ص 75 جـ 13 من ظلال القرآن.
(2) سيماهم: علامتهم.
(3) شطأة: فروعه في الجانبين.
(4) آزره: أعانه.
(5) استغلظ: تحول من الدقة إلى الغلظة.
(6) استوى على سوقه: استقام على ساقه.
(7) سورة الفتح آية 29.