فهرس الكتاب
وكما يحبّ الأطفال أن يتخيّلوا أنفسهم في مكان أبطال القصص التي تكتب لهم أو تروى على مسامعهم فإنّ كثيرًا من القرّاء الراشدين لا يتردّدون في أن يتخيّلوا أنفسهم في مكان أبطال روايات إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي.
ولكن هذا الإذعان السلبيّ للقيم الأخلاقيّة التي تتجسّد في البطل الإيجابي ليس هو السبيل الوحيد الذي يسلكه القارئ ليمتحن قوّة قيمه وصلابة معتقداته. فقد يرفض القارئ رفضًا شديدًا ومطلقًا شخصيّةً روائيّةً يصعب عليه تمثلها فيدعّم في ذلك أركان شخصيّته العقائديّة. وأقصى الأمثلة هو مثال بطلٍ له من غرابة السلوك وشذوذ الأخلاق ما يجعل من المستحيل أن تتحقّق آليّة التماهي الضرورية بينه وبين القارئ. (كأن تدعو الشخصية الروائيّة إلى تعذيب الأطفال أو كأن تبرّر اغتصاب النساء) . وهنا يرفض القارئ أن يدخل في إهاب الدور الذي تقترحه عليه الرواية بينما هو يقبله في الروايات"العادية". وهذا الرفض هو بطبيعة الحال أمرٌ يخرج عن إرادة الرواية ولم يقصده الكاتب في الأصل. ويقوم على تعطّل الآليات القصصيّة ودورانها"على الفاضي". ذلك أن التماهي بين القارئ والشخصيّة الروائيّة مبدأٌ أساسيٌّ تقوم عليه عمليّة القراءة نفسها كما رأيناه في الفصول السابقة. ولكن ما يعنينا هنا هو أن القارئ في هذه الحالة يعزّز من قيمه ويشدُّ من بنيان هويته. فهو وقد رفض أن يتّحد مع بطل الرواية وتمرّد على الدور المكتوب له يغلق الكتاب وينهي عمليّة القراءة.