فهرس الكتاب
وبما أن بطل الرواية في مثل هذه الكتب يشاطر قارئها قيمه الأخلاقية ومثله الجماليّة فإن هذا الأخير لا يتغيّر ولا يتحوّل عند التقائه بالأول. وليس يهدف بطل الرواية هنا إلى أن يدفع القارئ إلى أن يضع نفسه موضع النظر ولا أن ينظر بعين الفحص إلى قيمه ومثله. وإنه لمما يبعث الطمأنينة في النفس أن نرى بطل الرواية يقاسمنا طريقتنا برؤية الكون. وذلك لأن العلاقات التي نقيمها كقرّاء مع الشخصيّات الروائيّة الوهمية في العالم الروائيّ تعكس العلاقات التي تربطنا بأمثالنا من البشر في حياتنا الحقيقيّة.
فإذا كان التماهي سهلًا بين أشخاصٍ لهم ذات القيم وينتمون إلى نفس النظام الأخلاقيّ فذلك لأنّ هذا النظام الأخلاقي الواحد وتلك القيم المشتركة تدفعهم إلى أن يتّخذوا سلوكًا واحدًا وإلى أن يتصرّفوا أمام وقائع الأيّام على نحوٍ متشابهٍ فتخلق بينهم لغةً واحدةً ومصطلحاتٍ مشتركةً فيتضاعف فهمهم لبعضهم وقدرتهم على تبادل الأفكار والمشاعر.
وهذا التماهي والاتحاد مع بقية أفراد المجموعة الاجتماعيّة وسيلةٌ من وسائل الدفاع عن النفس يلجأ إليها المرء ليشعر بالأمان والحصانة. إذ لو كانت قيمه الأخلاقيّة مما يستنكره الناس وكان سلوكه وشأنه في الحياة مما ينبذه الآخرون لصار هو نفسه عرضةً لأن ينكره الناس ولأن ينبذه الآخرون. والأمر على نقيض ذلك حين تكون قيمه الأخلاقيّة من قيم الناس جميعًا وحين يكون شأنه في الحياة هو شأنهم. فسيرضى به الناس ويركنون إليه ويقبلون على صحبته فيشعر أمنًا وسلامًا ..
إن نجاح البطل النموذجي يعود إلى صفته المطمئنة هذه. فهو يصادق على سلامة القيم الأخلاقيّة التي يتبنّاها القارئ قبل أن يفتح صفحات كتابه. وهو يبرهن على صحّتها بأن يجعل نهاية القصّة مطابقةً لما تفرضه تلك القيم الأخلاقيّة فيعاقب المخطئ على حسب خطئه ويجازى المحسن على حسب إحسانه.