فهرس الكتاب
ويكمن في عمليّة القراءة خطرٌ آخر هو ما يضعه القارئ من ذاته في النصِّ وما يوظِّفُه فيه. فقد يحدثُ أن تكون الصلة بيننا وبين أحد شخصيّات الرواية من القوة والعمق بحيث لا يشغلُنا بعد إلاّ مصيرها هي وبقطع النظر عن كلِّ اعتباراتٍ أخرى. ذلك أن النصَّ الأدبيَّ يخاطبُ فينا قدرتنا على الانفعال وحسب. وبالتالي فإن حسّنا النقديّ يسهو وقد تختفي قدرتُنا على اتخاذ المسافة النقديّة اللازمة بيننا وبين النصّ. ويستطيع الكاتب أن يحبب لأنفسنا وأن يزيّن لأعيننا شخصيّةً روائيّةً لو قدّر لها أن تتجسّد شخصًا نابضًا بالحياة لكرهتُه نفوسنا ومجتّه عقولنا.
والحقيقة أن العلاقة الانفعاليّة بين النصِّ وقارئه تنتمي إلى بنية النصِّ الجماليّةِ ولا تتطابق دائمًا مع مقتضيات الأخلاق كما يريدها النظام الاجتماعي اللهم إن لم يكن في أشكال الرواية البدائيّة أو الساذجة.
فحين نقرأ مثلًا مغامرات العميل السرّي البريطاني جيمس بوند فإننا نتمنّى أن ينجح هذا الجاسوسُ في مسعاه وأن ينتصر على أعدائه وذلك بقطع النظر عن جرائم القتل التي يقترفها (أليس رمزُه 007 يعني أن له إجازةً من رؤسائه بالقتل دون حساب؟) وبغض البصر عن القيم الأخلاقيّة أو المصالح السياسيّة التي يقتلُ من أجلها أو ينافحُ عنها خصومُه.
وهناك كذلك خطرٌ آخر يحدقُ بالقارئ يأتي من البعد التوهيمي الذي يكمن في أغلب النصوص الأدبيّة التخيليّة. فقد يعود القارئ إلى الخلف بسبب قوّة هذا الجانب. فهو حين يقرأ هذا المقطع أو ذاك من الرواية فإنّه يرتدُّ إلى سنين طفولته الأولى ويعيش فيها ثانيةً المشاهد القديمة التي مرّت به عندئذٍ فترجعُها القراءةُ صاخبةً عاصفةً.