الصفحة 131 من 146

إنّ أوضح المخاطر هو أن يهيمن النصّ بعقيدته على عقيدة القارئ. فالقارئ الذي يقرأ يقبل ضمنًا بما أسميناه في فصلٍ سابقٍ بعقد القراءة وميثاقها أي بالأعراف التي تنظم النصّ الأدبي. وعليه فلا بدَّ له من الإقرار مبدئيًّا بصحّةِ ما يقوله الراويّ ويمكن أن يقوده هذا من حيث لا يشعر إلى أن يقع في حبال عقيدة النص. فبقدر ما يظهر الراوي على أنّه أصل الحكاية التي يرويها ومصدرُها بقدرِ ما يظهر على أنه حجّةٌ تقضي بين الأحداث التي يرويها وتشرّعُ بما تنقلُه!.

فصوت الراوي هو الذي يُطلعنا على أفعال الشخصيّات وعلى الظروف التي تحيط بهذه الأفعال وبما أن علينا أن نعتبر أن ما يرويه لنا الراوي قد وقع حقًا أي أنّه حقٌّ ولا شك فقد ننزلق فعلًا ونروح ننظرُ إلى الأحكام التي يطلقها هذا الراوي على تلك الأفعال وعلى هاتيك الشخصيّات ليس على ما هي عليه حقًا أي أنّها أحكام الراوي ليس غير وإنما على أنها أحكامٌ صائبةٌ وحقيقيّةٌ بالإطلاق. وهنا يتحوّلُ الراوي من مصدرٍ للقصّة إلى مؤولٍ شرعيٍّ لها يؤخذُ بقوله ويؤمن له.

فبما أننا نقرُّ ضمنًا احترامًا مِنّا للتقاليد الروائية بكلّ ما يقوله راوي نجيب محفوظ في اللص والكلاب عن أبطال القصّة فكيف لنا أن ننكر هذه التقاليد عينها حين تقودنا إلى الإشفاق على سعيد مهران وهو لِصٌّ ومريضٌ بالعُصابِ وقتل نفسًا بريئةً؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت