الصفحة 134 من 146

ولنأخذ على سبيل المثال رواية أديب لطه حسين. فالراوي الأول/ طه حسين يقدّمُ لنا في الفصول الأولى من روايته شخصيّة أديب تقديمًا لا يخلو من إعجابٍ يشوبه كثيرٌ من التحفّظ. وهو يصارحنا بذلك ويعرضُ لنا أسبابه. ولكن أديب هو الذي يسرد علينا وقائع الفصل السابع. وتنمو الرواية على هذا النحو. وهي تنقل لنا تباعًا ما تراه كلٌّ من الشخصيتين الأساسيّتين. وكلٌّ منها تشهد القارئ على سلامة رأيها وخطل ما تدّعيه صاحبتها. فتعرض حججها عرضًا مقنعًا وتفنّدُ أقوال الأخرى تفنيدًا لا يخلو من صواب. أي أن القارئ يتماهى في كلِّ طورٍ من أطوار السرد مع أحد الشخصيّتين ويتبنّى وجهة نظرها المخالفة لوجهة النظر التي سيتبنّاها في المقطع اللاحق. وهذا الانتقال من الشخصيّتين المتباينتين تكشف له أعماق كلِّ منهما وأعماق نفسه هو.

ولكن لعبة التماهي هي التي تسمح في أغلب الأحيان في تطوِّر القارئ. والحقيقة إن التماهي كما أشار إلى ذلك فرويد ليس ظاهرةً نفسانيةً كغيرها من مظاهر النفس ولكنّها أساس بنية الإنسان التخيليّة وهي الأنموذج الذي ينشئ عليه الفرد كلَّ المسارات التي تميّزه عن غيره من الأفراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت