الصفحة 135 من 146

وآليّات التماهي التي تقوم عليها النصوص التخيّليّةُ هي بعض من هذه الوظيفة المزدوجة الأساسيّة والخلاّقة. وهناك رسالةٌ بعث بها قارئٌ لجان جاك روسو (1712 - 1778) بعد أن قرأ روايته هيلويز الجديدة (1761) توضح وضوحًا بيّنًا آليّةَ التماهي هذه. وهو يقول فيها:"كم يلذُّ لي أن الدموع التي تسكبها شخصيّاتك الفاضلة بالدموع التي تنهمر من عينيّ أنا بفضل الإنسان الحبيب إلى قلبي والذي يسكن منّي الصدر. وليس من رسمٍ أتيتَ به ولا عاطفةً ولا فكرةً ولا مبدأ جئت به إلاّ وينطبقُ كلُّ الانطباق على وضعي المؤلم"ويذكر يحيى حقّي شيئًا من هذا القبيل بخصوص روايته قنديل أم هاشم. فيقول"إنَّ اسمي لا يكاد يذكر إلاّ ويذكرُ معه"قنديل أم هاشم"كأني لم أكتب غيرها!. وكنت أحيانًا أضيقُ بذلك ولكنَّ كثيرين حدّثوني عنها واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم. ومنهم أديبٌ يمنيّ قال لي لقد أحسستُ أنّك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن! (2) "

ويبدو أن ما يدركه القارئ من خلال تماهيه مع الشخصيّات الروائيّة هو حقيقة حياته نفسها. فإذا ترتقي به القراءة الأدبيّة إلى إدراكٍ أوضح لمصيره فإنها تجعله أقدر على فهم خفايا نفسه. وهذا يعني أنه إذا أبقت البنى الروائيّة ضمير القارئ النقديَّ يقظًا فإن عودة المكبوت في القراءة تدفع بالقارئ إلى الأمام عوضًا عن أن تشدّه إلى الوراء.

وبدلًا من أن يعيش من خلال القراءة ثانيةً مشهدًا سبق له أن عاشه في حياته فالقارئ يستطيع أن"يوظّفَ"نفسه على نحوٍ مختلفٍ في المشهد نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت