فهرس الكتاب
إنَّ قراءة بعض النصوص تجعل ممكنًا ما يسمَّى في التحليل النفسيّ"بإزالة العقد". وهذه المفردةُ تعني تصريف الانفعال وانطلاق الطاقة الانفعاليّة المكبوتة التي تسبّبُ الاضطرابات النفسيّة والعصبيّة. وهذه الاضطرابات مصدرها ماضي الشخص وردّةُ فعله آنذاك أمام حادثةٍ ما. وينبغي على هذا الشخص أن يعيش من جديدٍ ردّةَ فعله تلك كيّ يتخلّص من الاضطرابات النفسيّة والعصبيّة التي نشأت عنها في المرّة الأولى.
وزوال العقد هذا يشير بشكلٍ عامٍ إلى وظيفة الفنِّ التطهيريّة.
وحين يعيش القارئ ثانيةً ومن خلال القراءة الوقائع الأولى التي انعقدت فيها خيوط شخصيّته فبإمكانه أن يدخل توازنًا جديدًا في شخصيّته فيغيّر من طبيعة علاقته مع ماضيه. فهو كقارئٍ يستطيعُ أن يتخلّص من الاضطرابات التي قد تركتها في وجدانه عقدة أوديب حين يعيشُ ثانيةً ومن باب التسلية التي تتضمنّها القراءة علاقة الراوي الغاضبة بأمّه في الأيام أو علاقة محسن الساخرة بها في عودة الروح أو علاقة سامي المقهورة بها في الحيّ اللاتيني أو علاقة مصطفى سعيد اللا مبالية بها في موسم الهجرة إلى الشمال وإلى غيرها من الأمثلة في الأدب العربيّ الحديث.
وهذه النماذجُ كلّها تظهر لنا كم تختلف المسافة النقديّة الساخرة من كاتبٍ إلى آخر.
3 -3 - القراءة الأدبيّة
فإن كان للقراءة الأدبيّة خصوصيتها فعلينا أن نحاول الإحاطة بها من خلال ما تتركه من أثرٍ. ويرى ميشيل بيكار إن القراءة الأدبيّة أي قراءة النصوص الأدبيّة تتميّز بوظائف جوهريّةٍ ثلاث.
وأمّا الوظيفة الأولى فهي"التجديد في التقليد". فالنصُّ الأدبيُّ حين يدّعي التمرّد على ثقافةٍ أدبيّةٍ ما فهو يفترض في الوقت نفسه أنها موجودةٌ. فحديث عيسى بن هشام لمحمّد المويلحي يؤكّد جدّته وحداثته من خلال مقارنته مع مقامات الهمذاني أو الحريري أو مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي