فهرس الكتاب
وإذن فالراوي والمَروي له الخارجيّان عن النصّ والغريبان عن الحكاية هما تعبيران"نصيّان"يُكمِلُ أحدهما الآخرَ ويضمنُ وجودُ الأوّلِ وجودَ الثاني. إنهما هيئتانِ مُجرّدتانِ تظهران من بنية الحكاية ذاتها. وعليه فإن من واجبنا أن نفرّقَ في رواية الطيب صالح (1929) موسم الهجرة إلى الشمال (1965) من جهةٍ بين مصطفى سعيد الذي يكتب للراوي ومدام روبنسن التي تكتبُ إليه كذلك بخصوص مصطفى فهم جميعًا رواةٌ داخليّون ومَروي لهم داخليّون، أي أنهم جميعًا شخصياتٌ روائيةٌ تعيش في عالم الحكاية. ومن طرف آخر بين تلك الجهة المُجرّدة التي تُنشئُ تلك الشخصيات جميعًا حين تبني النصَّ كما تبنيه (أي الراوي الخارجيّ) وهي تتوجّه إلى قارئٍ مضمَرٍ تفترضُ أنّ هذه الحكايةَ ستثيرُ اهتمامه وربما ستبعث فيه شيئًا من المتعة (ونعني المَرويّ أو المسرودَ له الخارجيّ) . ولكن من هو هذا القارئ الضمنيّ؟ ما هي سماتُ المرويّ له الجوهريّةُ والتي تنطبقُ على كلّ قارئٍ مستترٍ في كلّ نصٍّ قصصيٍّ على الإطلاق؟
إذا طرحنا بعيدًا الصفات الخاصّة التي تنسبُها بعضُ النصوص أحيانًا لقارئها (كأن يخاطبُ النصُّ تحديدًا شخصًا معينًا) فإنّ المرويّ له الذي يولد مع النص نفسه وبمجرد خروج هذا الأخير إلى حيّز الوجود يتصفُ بصفاتٍ بعضُها إيجابيٌ وبعضُها الآخرُ سلبيٌّ.
وأمّا صفاتُه الإيجابية فهو ذو عددٍ معينٍ من الكفاءات. وهو ليسَ يُتقنُ لسانَ الراوي ولغَتَه وحسب (فكلُّ حكايةٍ تفترضُ أن قارئها يفهم الأداةَ اللغويّةَ المستخدمةَ) ولكنّه يُظهِرُ كذلك بعضَ المهاراتِ العقلية. فهو مثلًا ذو ذاكرةٍ لا تهن أبدًا تجعله قادرًا في الصفحاتِ الأخيرة من روايةٍ مؤلّفةٍ من مئاتِ الصفحات على تذكّرِ ما جرى في صفحاتها الأولى. وهو يدركُ كذلك قواعدَ السردِ وخليقٌ بقبولِ مسلّماتها والرضى بنتائجها.