الصفحة 87 من 146

إننا نشرحُها ببنيةِ النصِّ الداخليِّةِ أولًا. فنحن نعرفُ أن الخطابَ الجمالي وعلى الأخص الشعر منه يفضّلُ المبنى على المعنى أي أنّه يعطي الأسبقيةَ لظاهرِ العلامة الصوتية ولجمالِها الموسيقي أو الشكلي. أي أنّه مضطرٌ للغموض والإبهام. وبتعبيرٍ آخر لأن المبنى يفرض نفسَه على حساب المعنى ولأن الشكلَ يطغى على المضمون فإن الأدبَ يلدُ معانيَ غامضةً وأفكارًا مضطربةً! ...

وبما أنّ النصَّ الأدبيَّ يُنَظِّم المفرداتِ حسب جماليتها ويفرضُ عليها سياقَه الخاص فإن المفردات تنفصلُ عن معانيها الأصليةِ الأولى وتبتعدُ عنها مسافةً قد تضيقُ أو تعرضُ. وفي هذه المسافةِ التي يُحرِّرُها الهاجسُ الجمالي تفقد المعاني حدودَها الصارِمةَ وتتداخلُ ببعضها ويتأثرُ بعضهُا ببعضها الآخر فتتولّدُ معانٍ جديدةٌ وتتعدّدُ إمكانيات التأويل. إنّ الخطاب الشعريَ خاصةً يسمحُ للألفاظِ أن تهتزَّ، وأن تموجَ وتتحركَ في حريّةٍ وطلاقةٍ، وعندما يفعل ذلك فإن اللفظ لا يستدعي إلى الخاطرِ المعاني الجانبيّةَ والإضافيةَ المرتبطةَ بمعناه المباشر أو الشائعِ وحسب، ولكنّه قد يقترح معاني أخرى مختلفةً أو يوحي بصورٍ جديدةٍ لم يألفها القارئُ. الخ ... وكلّنا يعرف بيتَ المتنبي (915 - 965) ، الشهيرَ الذي قذفه متحدِّيًا في وجوهِ نقّادٍ كانوا يأخذون عليه غموضَ شعرِهِ أو التباسَ معانيهِ:

أنامُ ملءَ جفوني عن شواردها ... ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصِمُ

(البحر البسيط) ..

أليست شواردُها هذه هي موسيقى الكلمات وتناغِمِها في أذن الشاعر تفرض نفسَها عليه فيُطلقُها كما تجيئُهُ أوسع من معناها أو أقصرَ أو أبعد؟ .. وبين هذه وتلك يَنتشر غموضُ الشعرِ وسحرهُ المبهمُ ولنذكر بيتَ الأعشى الأكبر التالي من لاميته المشهورة: ودّعْ هُريرةَ ..

وقد غَدَوْتُ إلى الحانوتِ يَتبعُني ... شاوٍ، مِشَلٌّ، شَلولٌ، شُلْشُلٌ، شَوِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت