الصفحة 86 من 146

وبطبيعة الحال فإن هذا الوعي لم يتوقف عند علوم قراءة الكتاب التأسيسيَ ولا عند العلوم الدينية التي ظهرت بفضلّها. ونحن واجدون، ومنذ منتصف القرن الثامن، نصًّا يشير بوضوح قاطع إلى وعي تعدد القراءات في النصوص الأدبية وإلى ضرورة أخذها بعين الاعتبار حين تحليلها. ففي مقدّمة عبد الله بن المقفع (724 - 759) ، لكتابه كليلة ودمنة والتي اقتبسنا منها مقاطع في الفصلِ الثالث من كتابنا هذا يطالب الكاتبُ قارئه بأن يديم النظرَ في كتابه وأن يلتمسَ معاني خبيئةً خلف المعاني الظاهرة وأن يغوصَ إلى ما وراءَ سطح المعنى المباشر التماسًا لجواهر المعاني. ويُحذّرُهُ من قراءة متوحّدة إذا حسب أن غايتَه من الكتاب هي الإخبارُ عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور. ثم يبسط ابن المقفّع لقارئه مستويات التأويل التي يراها في نصّه فيقول:

"وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومُقتنيه أن يعلمَ أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراضِ: أحدهما ما قصد من وضعه على ألسنة البهائم ليتسارع إلى قراءته أهلُ الهزل من الشبان فيستميلَ به قلوبَهم [] والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوفِ الألوان والأصباغِ ليكون أنسًا لقلوب الملوكِ. [] والثالثُ أن يكون على هذه الصفة فيتخذهُ الملوكُ والسوقةُ فيكثر بذلك انتساخُهُ وينتفع بذلك المصوّر والناسخ أبدًا. والغرض الرابع وهو الأقصى وذلك يخص الفيلسوف خاصةً أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة" (3) .

وهذه الأمثلة من ثقافات متباينة وعصورٍ مختلفةٍ توضح أن مسألة تعدد التأويل النظريةَ هي من بنية النص المكتوب ذاته وأن القراءةَ لم تكن لتستطيع الاكتفاء بمعنى واحد ضيق ومحصور في النص الأدبي.

1 ـ 1 ـ تعدّد الأصوات:

هناك إذن عدّةُ مستوياتٍ في قراءةِ النصِّ الأدبي أو عدّةُ أصواتٍ في النصِّ الأدبي الواحد .. ! ..

كيف يُمكننا أن نشرحَ هذه الحقيقةَ التي يقبلُها جميعُ النقّاد اليوم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت