الصفحة 89 من 146

إذا كانت القراءةُ تميل إلى مُضاعفةِ المعاني فإن طبيعةَ مستوياتِ هذه المعاني وعددَها يختلفان حسب طبيعةِ النصوصِ، فليس لكلِّ النصوص ذاتُ العدد من المستويات. ولقد ميّز بعضُ النقّاد بين النصوص التي يُمكن"نسخُها"وتلك التي تُمكن"قراءتُها".. والنصوصُ الأولى هي نصوصٌ يمكن أن"ينسخها"القارئُ أي أن يؤوِّلها عددًا لا ينتهي من المرّات. أي أنّه"يكتبُها". من جديدٍ كل مرةٍ يأخذُ فيها الكتابَ بين يديْه ... والنصوصُ الأخرى هي تلك التي تتضمّنُ عددًا محصورًا من القراءاتِ. أيْ أنَّ التحليلَ الأدبيَّ يكشفُ عن شبكاتِ المعاني التي ينظمها النص فينسِّقُها ويُحصيها في قراءاتٍ محدودة. وعليه فإنَّ هناك نصوصًا ما يزالُ القارئُ العربي عاجزًا عن الإحاطة بكل معانيها بسبب ما أُخْضِعَت إليه لُغتُها من جهدٍ وصنعةٍ وبسبب موهبةِ شاعرِها المطبوع. وما يزالُ النقدُ يكتشفُ فيها شبكاتٍ دلاليةً طريفة ومعانيَ جديدةً ... ونحن نضعُ بين هؤلاء أبا تمّام (788 - 845) ، والمتبني والأقوالَ المنسوبةَ إلى الجُنَيد (توفي 910) ، والنفّري (توفي 965) ، الخ ... وهناك نصوصٌ كنصوص بشّار (696 ـ 783) ، وأبي العتاهية (748 - 826) ، وأبي نُواس (762 - 813) .. وأغلب النصوصِ الأدبيّةِ المدرسيّةِ التي تتقبلُ قراءات متنوعةٍ ولكن محصورة العدد.

ومهما يكن الأمرُ وسواء كان النصُّ الأدبيُّ"نسخيًا"أو"قرائيًا".. فإنه دائمًا وبسبب بنيتِه متعددُ المعاني ومتعددُ الأصوات، وهذه التعددية التي تظهرُ لنا عند القراءةِ هي التي تحدَّد النصَ على أنه أدبيٌّ.

2 ـ القراءة الجابذة أو التوحيدية:

إذا كان النصُّ يضع القارئَ أمام سبلٍ في القراءةِ متعددةٍ فإنِّهُ من الأكيد أن ليسَ لكلِّ هذه القراءات الممكنة ذات الأهميّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت