فهرس الكتاب
ونحنُ نستطيعُ أنْ نقرأَ وقد وضعْنا كمسلمةٍ وجودَ معنى جوهريٍّ أو أصليٍّ تتعلّقُ به المعاني الأخرى أو تنبثقُ عنه كما تنجُمُ فروعُ الشجرةِ المختلفةِ عن أصلٍ واحدٍ أساسي. وهذه العلاقةُ التي يُنشئِها القارئُ"العادي"تلقائيًا مع النص يدافعُ عنها بعضُ النقّادِ اليوم ويجعلون منها أساسَ العمليةِ التأويليةِ.
ويُطلقُ هذا التّيارُ النقديُّ على أنصارِهِ اسمَ الهرمونوطيقيين. وهذه الكلمةُ الأخيرةُ من أصلٍ يوناني وتعني التعريف بالشيء والإبانةَ عنه ونقلَهُ وترجمتَهُ أو ترجمةَ معانيهِ ... وهذا المذهبُ في تأويل النص الأدبي يعتمِدُ مبدأ التماسكِ والترابطِ. أيّ أنّه يوجبُ تأويلَ عناصرِ النصِّ المتفرّقةِ على ضوءِ الهيكل العام. وهو يرى أنه مهما تباينت هذه القراءاتُ فيما بينها فإنه من الممكنِ دائمًا أَنْ نُرْجِعَ العملَ الأدبيَّ إلى النّيةِ التي أنشأته وإلى أصلِهِ الأوّل أو جذرهِ العميقِ الذي يضمنُ وحدةَ أجزائِهِ ووحدةَ معانيه المتفرّقة.
وواجبُ الباحثِ حسب هذه المدرسة النقدية هو أن يتركَ سطحَ العمل الفنيّ لِيستكشف مركزَه الباطني الحيّ. فعليه أن يرصدَ التفاصيلَ البينةَ على سطحِ النصِ والأفكار المنثورة الظاهرة ثم يجمعَ تلك التفاصيلِ وهذه الأفكارَ ويحاول أن ينظمها في مبدأ خلاّقٍ واحدٍ كان ولا ريب يقودُ قلمَ المبدع حين يكتب. وعلى الباحث بعدها أن يمضي إلى ميادين الملاحظة ليتحقق إن كان"الهيكل الداخلي"الذي كشف عنه يفسر كل أجزاء النص الأدبي، وبعد محاولتين أو ثلاث يستطيع الناقد أن يعرف إن كان قد بلغ قلب العمل الأدبي النابض واكتشف كوكب نظامه الشمسي وسيعرف عندها إن كان مبدأُ تأويله قائمًا في مركز دائرة النص أو في نقطة ما على محيطه ..