فهرس الكتاب
المبحث الرابع
نظرية الشيخ سعيد في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم
أولا: بين يدي هذه النظرية ولمحة عن جهود السابقين من قدامى ومحدثين في هذا الموضوع.
* حينما سمعت أن للشيخ سعيد نظرية في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم من خلال تفسيره، وقبل أن يقع التفسير بين يدي لا أخفي على القارئ الكريم أنني خلت هذه النظرية ضربا من ضروب التكلف وحسبتها من التعسف في فهم القرآن.
ولكن هذا الحكم المتعجل سرعان ما تراجعت عنه حينما قرأت مقدمة الأساس في التفسير، وحينما منّ الله على بقراءة التفسير تكونت لدى عناصر الحكم على هذه النظرية، وقديما قالوا: (الحكم على الشيء فرع من تصوره)
* وقبل أن اعرف القارئ بهذه النظرية، وأسجل ملاحظاتي عليها، أحيط القارئ علما بأنني رجعت إلى مؤلفات القدامى والمحدثين من المهتمين بالوحدة القرآنية فوجدت جهدا وفيرا وعلما غزيرا، لا ينبغي أن أمر بهذا الموضوع دون إشارة إليه، فأقول وبالله التوفيق: فضلا عن اهتمام السابقين بالحديث عن مناسبة السورة للسورة من جهة المناسبة في الموضوع والصلة بين الفواتح وبين خاتمة السورة السابقة لمقدمة السورة اللاحقة، فإن السابقين قد ظهرت لهم مناسبات أخرى، فالإمام البقاعي [1] في كتابه [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور] فطن للمناسبة بين البسملة وموضوع السورة وبين عنوان السورة وموضوعها0 [2]
والخطيب الشربينى والإمام القشيرى قد أبرزا مناسبة البسملة للسورة أيضا [3] .
(1) - ... هو العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن على بن أبى بكر البقاعي، المفسر المؤرخ المحدث الأديب ولد 809 هـ ـ له مؤلفات جمة في شتى العلوم تراجع ترجمته في شذرات الذهب: 340 لابن العماد ط مكتبة القدس ط 1352 هـ
(2) - وفي ذلك يقول في مقدمة كتابه[وقد ظهر لي ... أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها، لأن اسم كل شئ تظهر المناسبة بينه وبين مسماه، عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه ... ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها، فأذكر المقصود من كل سورة، وأربط بينه وبين اسمها، وأفسر كل بسملة بما يوافق مقصود السورة"نظم الدرر ج1 ص 18، 9 ط حيدر آباد الدكن -"
(3) - يقول الدكتور إبراهيم بسيونى في مقدمته التي قدم بها كتاب (لطائف الإشارات) للإمام عبد الكريم القشيرى: [سار القشيرى في اللطائف على خطة واضحة محددة .. فهو يبدأ بتفسير البسملة كلمة كلمة ومع تكرار البسملة في كل سورة فإنه يفسرها كل مرة على نحو ملفت للنظر .... ويزداد إعجابنا بالقشيري كلما وجدنا تفسير البسملة يتمشى مع السياق العام للسورة كلها] لطائف الإشارات للقشيرى تحقيق د. إبراهيم بسيونى المجلد الأول ص 26 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويراجع تفسيره للبسملة في سورة الفاتحة ص 44، وفي سورة البقرة ص 52، 53، ولسورة آل عمران ص 217، 218 ولسورة النساء ص 310، وعلى هذا النهج سار الخطيب الشربينى في تفسيره [السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلمات ربنا الحكيم الخبير] ، وعلى سبيل المثال: يفسر البسملة في سورة الفاتحة فيقول: [ (بسم الله) أي الملك الأعظم الذي لا يعبد إلا إياه (الرحمن) الذي عم بنعمتي إيجاده وبيانه جميع خلقه ... (الرحيم) الذي خص من بينهم أهل وده ورضاه، [السراج المنير ح1 ص 4 ط دار المعرفة وفي تفسير سورة آل عمران، يقول: [- (بسم الله) الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالألوهية (الرحمن) الذي سرت رحمته خلال الوجود فشملت كل موجود بالكرم والجود (الرحيم) لمن توكل عليه بالعطف إليه] [المرجع السابق ج1 ص 193