الصفحة 33 من 85

كما أن سعيهم في طلب طرق الحديث لم يكن اعتباطيا ، بل كان مرتبا وفق منهج ورسم متعارف عليه ، بحث يبدأ بالأشهر في العلم والفضل ويقدم من يراه أولى بالأخذ من غيره (1) .

ثم إنهم استحبوا أن يجتهد المحث في طلب العلو في الإسناد أي تقليل الوسائط بينه وبين الرواية، فإذا كان شيخ شيخه حيا استحبوا له أن يأتيه ويأخذ عنه .

قيل لأحمد بن حنبل:"أيرحل الرجل في طلب العلو فقال: بلى والله ، شديدا ، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنهما فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر يسمعانه منه" (2) .

إن هذا المرتكز الأساس في منهج النقد - وهو منهج جمع الطرق - يتفاوت فيه الأئمة ، وعلى قدر معرفة الناقد بالطرق تقاس إمامته .

كما لا يكتفى بمجرد وجود الطرق والروايات ، بل ينضاف إلى ذلك ضرورة وجود ذكاء ونباهة وقدرة على استخلاص الفوائد والاختلافات من هذه الطرق التي جمعها .

لذلك اتفقت كلمة النقاد على اشتراط حفظ الذاكرة وأن دور في استحضار محل الاستدلال عند إجراء المعارضة بين الروايات .

لذلك قدم النقاد مكانة الإمام البخاري لما عرف عنه من التيقظ والذكاء مع سعة الاطلاع وقوة الحفظ .

(1) السابق نفس الصفحة ، وانظر ص215 فما بعدها .

(2) السابق ص210 ، وفي معنى ذلك يقرر أصحاب النقد التاريخي الأوروبي ضرورة تصفية الوثائق واطراح النسخ المنقولة عن نسخة محفوظة لدينا ، إذ من الواضح أنه لا قيمة لها إلا قيمة هذه النسخة التي هي مصدرها المشترك . المدخل إلى الدراسات التاريخية . لانجلوا وسينوبوس ص61 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت