فهرس الكتاب
نفي الغرابة عن الرواية ، فإن كثرة رواية الرواة لها دليل على أن الرواية معروفة ومتداولة ، أما وجود طريق فذة لها ، فهو دليل على غرابتها وشذوذها ، وقد تحاشى المحدثون إيراد الغرائب في مقام الرواية (1) ، وإنما كانوا يوردونها في مقام المذاكرة أو التنبيه خشية أن تشتهر الطريق الغريبة فيظن لكثرة رواية الناس لها أنها من الأسانيد الصحيحة . ولم يعتبر النقاد الغرابة قادحة في طبقة الصحابة ، لأن من اشتهر منهم بالرواية قليل ، والمكثر من الرواية أٌل ، إضافة إلى أنهم كانوا مشغولين بالجهاد وغير ذلك من أمور المعاش فلم يتح لمجموعهم أن يتفرغوا لشأن الرواية ، فمن المنطقي أن ينفرد أحدهم بسنة لم يعرفها غيره ، إلا في بعض الأحوال التي قد تخطأ فيها رواية البعض للمخالفة كما في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حرام ، وروت ميمونة نفسها أنه تزوجها وهي حلال (2)
(1) قال الإمام أحمد بن حنبل:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب ، فإنها مناكير ، وعامتها من الضعفاء"وقال أيضا:"إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث أو حديث ليس له إسناد وإن كان قد روى شعبة وسفيان .."وانظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/1/36) . وبناء على ذلك فإن الطرق التي يعنى المحدثون بجمعها هي التي يصلح الاعتبار بها ، وليس كل طريق يجده المحدث يفرح به ويعتمده في عملية النقد ، قال الإمام أحمد:"يطلبون حديثا من ثلاثين وجها ، أحاديث ضعيفة ، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا ، قال هذا شيء لا تنتفعون به" ( مسائل أحمد لأبي داود ص282 ) ولأصحاب النقد التاريخي الأوروبي مسلك شبيه بهذا في عدم التعويل على النسخ وكثرتها إذا كانت منحولة أو مزيفة أو أنها كلها منقولة عن أصل واحد ، انظر مدخل إلى الدراسات التاريخية ، لانجلوا وسينوبوس ص61 .
(2) انظر: منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص126 .