فهرس الكتاب
ومبدأ التأريخ بالسنة والشهر واليوم سبق أكيد للمحدثين لكل تواريخ العالم ، لدرجة أن مرغليوث ينقل عن بكل مؤرخ الحضارة أن التأريخ بالسنة والشهر واليوم لم يحدث في أوروبا قبل 1597م أي ابتدأ مطلع القرن السابع عشر وأن المسلمين كانوا قد سبقوا إلى التثبت والتدقيق في التأريخ بهذه الطريقة منذ مئات السنين (1) .
وقد رأينا في خطوات التوثيق عند منهج المحدثين ما يثبت أن تحريهم الدقة والأمانة في النقل والرواية والنقد قد بلغ الغاية والمنتهى .
ونحن لو تتبعنا هذه السمة في كل مراحل المنهج وجزئياته لرأيناها ماثلة شاخصة تعلن عن نفسها دون خفر ، وهذا يفصح عام أشرنا إليه سابقا أن التثبت يمكن عده النظرية الكبرى في منهج النقد عند المحدثين .
وفي تراجم رواة الحديث تتكرر عبارة النقاد في حق الرواة الحفاظ المتقنين بأن فلانا"من أهل التثبت"وهذا يشير إلى عمق هذا المعنى في سائر النظريات الأخرى ، لأن الإسناد إنما نشأ وترسخ لتحصيل التثبت ، والجرح والتعديل للرجال إنما هو لأجل التثبت ، ونظرية العلة قائمة على شدة التحري والتثبت للوصول لأخطاء الثقات والمتقنين .
الخلاصة
تميز منهج النقد عند المحدثين ببعد أخلاقي أكسبه مصداقية تفوق مصداقية المنهج الأوروبي لخلوه من أية أخلاقيات في المهنة فضلا عن خلو المنهج من الاعتماد على شروط أخلاقية في النقلة والرواة .
لقد كان منهج النقد عند المحدثين وليد احتياجات الوسط الإسلامي متميزا بأصالة حقيقية في كل جزئياته ، ولم يأت دليل يثبت تأثر هذا المنهج بغيره من المناهج الوافدة .
تميز هذا المنهج بسمة التثبت في كل مراحله وأطواره بحيث يمكن اعتبار التثبت هو النظرية الكبرى لمنهج النقد عند المحدثين .
النقد العلمي للمتون
(1) دراسات عن المؤرخين العرب . مرغليوث . ترجمة حسين نصار ص25.