الصفحة 72 من 85

أما تأثيرهم في بيئة المحدثين والفقهاء فلا يمكن التسليم به من ناحية منهج النقد ، والباحث لم يأت بأي دليل على ذلك ، بل إنه أشاد بجهود ابن قتيبة في كتابه"مختلف الحديث"في تنظير مبدأ النقد العقلي ، لكن الباحث فاته أن ينبه أن كتاب ابن قتيبة هذا مؤلف أصلا للرد على المعتزلة ومنهجهم العقلي في قبول ورد الآثار ، وأنه أراد أن ثبت في كتابه عدم وجود تعارض بين العقل والنقل وبين الآثار بعضها مع بعض .

والأعجب من ذلك كله أن الباحث يستدل على أن المحدثين استخدموا النقد العقلي بأثر ورد عن إبراهيم النخعي يقول فيه:"كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث"، ففهم الباحث أن المقصود بغريب الحديث أنه المخالف للعقل ، وهذا ليس بصائب ، فغريب الحديث مصطلح معروف عند المحدثين يريدون به الأحاديث التي لها سند لا يعرفه الثقات ، أو المرويات التي تخالف ما يرويه المتقنون ، فهو مصطلح نقدي يعود للإسناد وليس للمتن ، ومن صنف في ذلك أبو إسحاق الحربي كتابا سماه"غريب الحديث"أي الأحاديث التي لا يعرفها الحفاظ المتقنون ولا تروى بالأسانيد الصحيحة المعروفة (1) .

ويطلق مصطلح غريب الحديث على الألفاظ الغريبة التي لا يشيع استعمالها في العرف الساري وتحتاج إلى بحث واستقصاء في معاجم اللغة ، وصنف فيه الزمخشري وابن الأثير وغيرهما ، ولكن هذا المصطلح غير مراد في أثر إبراهيم النخعي ، وإنما قصد إبراهيم النخعي المصطلح الذي ذكرناه أولا .

(1) "الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات"طارق عوض الله ص73 ، وفيه نقل عن أحمد بن حنبل قوله:"إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث ، أو حديث ليس له إسناد وإن كان قد روي شعبة وسفيان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت