الصفحة 74 من 85

ولا نستطيع الجزم بأن الباحث قد لا يعرف أن ابن قتيبة معدود في زمرة المحدثين بل من أئمتهم المعروفين ، لكن الموازنة بين ابن قتيبة والجاحظ بهذه الصورة تنبيء عن عدم دراية بمنهج المحدثين في النقد .

ويبدو أن الخط الأصيل الذي اراد أن يسير عليه الباحث هو جمع كل ما قيل في الأدبيات الإسلامية عن ا لنقد التاريخي ، ومع أنه لم يذكر شيئا ذا بال بجانب ما ذكره عن المحدثين ، إلا أنه سمى حصيلته التي جمها بالمنهج الإسلامي ليدخل المعتزلة مع المحدثين في ابتكار منهج النقد الإسلامي ، والواقع أن المعتزلة لا ناقة لهم ولا جمل في هذا المنهج بل هم أعداؤه في الحقيقة ، وأن منهج النقد العلمي ابتكار المحدثين بلا نزاع ، ويشهد على ذلك أقوال الباحثين الغربيين أنفسهم (1) .

وقد فطن إلى عدم انضباط هذا المنهج العقلي في نقد المتون والأخبار بعض ا لعقلانيين أنفسهم ممن أعطوا للعقل مكانة وحيزا كبيرا في مصادر المعرفة وهو البيروني الذي يعتبره العقلانيون من رواد النقد والتدقيق والتمحيص في التاريخ وشئونه ، لما عاينوه عنده من منهجية في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".

(1) انظر دراسات عن المؤرخين العرب . مرغليوث . ترجمة حسين نصار ص24 .

وهذا لا ينفي أن للمعتزلة طريقة في تناول النصوص وليس في نقدها ، فقانونهم العام في التعامل مع مصادر التلقي هو تقديم العقل على النقل ، وليس هو من نقد الأخبار في شيء ، وإذا أجزنا تسمية هذا القانون بمنهج لنقد النصوص فإننا لا يجوز أن نقرنه بمنهج المحدثين الذي هو أعم وأكمل وأرقى وأدق .

هذا وللأشاعرة قانون آخر في التعامل مع النصوص مبني على التوفيق بين العقل والنقل ، وسنتعرض لذلك إن شاء الله عند عرض نظرية المحدثين في قضية التعارض بين العقل والنقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت