فهرس الكتاب
إننا لا نعد مغالين إذا قلنا إن منهج النقد التاريخي الأوروبي وليد تراث فكري عانى صراعا مريرا بين العلم والكنيسة ، واجتر جدلا متباعد الفصول بين النقل والعقل ، وليس من السهل أن نفصل بين منهج قام على أساس نقد تاريخ مليء بالانتحالات والأكاذيب والأساطير وروايات لم تنل أي نصيب من التوثيق قبل أن تصل على سطور الوثيقة ، لا يمكن أن نفصل بين منهج هذا حاله وبين اتجاهه في اعتماد العقل ، ذلك العقل الحذر المرتاب من كل سطر يرد في وثيقة مخافة أن تكون من عبث الكذابين والمنتحلين الذين كانوا يمارسون الانتحال بشكل واسع في تلك العصور كما يقول لانجلوا وسينوبوس (1) .
إنه من قبيل العب إذا أن يحاكم منهج النقد التاريخي الأوروبي منهج النقد عند المحدثين المسلمين ويتهمه بالقصور في مجال النقد العقلي .
إن منهج النقد عند المحدثين لا يحتاج في الحقيقة إلى نقد المتون - العقلي - بل إن النقد العقلي أو نقد المتن لا يعدو أن يكون مفتاحا لنسف التراث الضخم من النظريات النقدية التي قامت على مبدأ الإسناد .
إن النقد العقلي عند أصحاب المنهج الأوروبي لا ينفصل عن النقد الخارجي للوثيقة أي إثبات صحة نسبتها ، بمعنى أن النقد الخارجي قد يثبت صحة الوثيقة ولكن النقد الباطني قد ينفيها (2) ، والأصل عند محققي الفكر الإسلامي على خلاف ذلك ، وقد مضى بيان منهج المحدثين في هذا الصدد .
(1) السابق ص70
(2) لأن المنهج الأوروبي يفترض مسبقا إمكانية كذب صاحب أي وثيقة وإمكانية انتحاله وتحريفه في كل ما يروي ويكتب .