الصفحة 81 من 85

وتعد هذه الإشكالية من كبرى الجدليات التي تداولتها الأوساط العلمية في العالم الإسلامية على مر العصور ، وكان لها أثر كبير في الخلافات الكلامية والفقهية بين المدارس الفكرية وبخاصة بين مدرستي العقل ويمثلها المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ، ومعهم الفلاسفة ، والنقل التي يمثلها أهل الحديث والفقه.

وأبت هذه الإشكالية إلا أن تفرض نفسها على مناهج البحث أيضا ، فأخذ من منهج النقد بسهم ، ولكن مدرسة المحدثين ونقادهم حافظت على ثوابتها في حصر مجال البحث حول الإسناد دون أن يكون للنقد العقلي دور يذكر في مجمل آليات البحث عندهم .

وأنا لا أرتاب أن الدعوات المشبوهة التي علت منادية بإخضاع الحديث النبوي للنقد العقلي مع ضميمة نقد الأسانيد إنما أرادت ابتداء الزحف نحو نقد القرآن الكريم عقليا ، بحيث تزول منه صفة القدسية عند أول معول يضعه العقل البشري على معاني القرآن الكريم .

إن المنهج الأوروبي في النقد يعتبر الأساطير والنوادر مجرد معتقدات شعبية منسوبة اعتباطا إلى أشخاص تاريخيين وتؤلف جزءا من الفولكلور لا من التاريخ.

وهل يمكننا أن نغفل تأثر طه حسين - الذي تعلم في فرنسا أوائل القرن العشرين حيث كانت مدرسة الوثائق بريادة لانجلوا وسينوبوس في ذروة مجدها - بالمنهج الأوروبي في النقد التاريخي حين ذهب إلى عدم الاعتراف بشخصية إبراهيم الخليل عليه السلام لأنه لا توجد أدلة تاريخية موثقة تثبت وجوده مع أنه يحفظ القرآن الكريم .

وكذلك فعل زاهر رياض حين أنكر وجود النجاشي ملك الحبشة الذي أسلم لا لشيء إلا لأن كتابا تاريخيا في أثيوبيا القديمة لم يذكر شخصية هذا الرجل ، مع أن شخصية ثابتة في كتاب تاريخي أوثق من أي كتاب تاريخي في العالم هو صحيح الإمام البخاري رحمه الله (1) .

كيف يمكن إذا لمنهج النقد عند المحدثين أن يلتقي مع النقد التاريخي عند الأوروبيين .

(1) أنظر: أباطيل وأسمار . محمود شاكر ص293 فما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت