الصفحة 82 من 85

لقد حاول بعض المستشرقين إعمال النقد العقلي أو نقد المتون في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت النتيجة أن"جولدزيهر"حكم على حديث"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .."بالوضع ، وأن الزهري وضعه لعبد الملك بن مروان ليجعل الحج إلى بيت المقدس والطواف حول الصخرة بديلا عن حج مكة والطواف حول الكعبة ، لأن عبد الله بن الزبير خصم عبد الملك بن مروان كان مسيطرا على الحجاز آنئذ .

ولو تنزلنا في فرضية أن الزهري وضع هذا الحديث - وهذا مستحيل على طريقة المنهج العلمي الذي يشددون على ضرورة اتباعه - فإننا لن نستطيع أن نتهم ثمانية عشر ممن عاصر الزهري أنهم تواطئوا مع الزهري على وضع نفس الحديث ولنفس المقصد السياسي (1) .

وعلى غرار التفسير المادي السياسي للتاريخ يحكم"شاخت"على كثير من الأحاديث التي وردت عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنها موضوعة ،وضعها كل من العباسيين والأمويين (2) .

إنه نسق فكري وجد في الحضارة الغربية للأسباب التي ذكرناها ، ومن العسير أن نتجاوز هذا العمق الفكري حين نروم تقويم منهج من المناهج .

إن المتأمل في المنهجين - الأوروبي والإسلامي عند المحدثين - لن تخطئ عيناه فروقا جوهرية تجعل تطبيق أحدهما مكان الآخر أمرا غير ممكن .

(1) منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص127-131 .

(2) ويلاحظ على دراسات المستشرقين عامة وجولدزيهر وشاخت خاصة نزوعهم لمذهب التفسير المادي للتاريخ ، وهي نزعة كانت رائجة في أوائل القرن الماضي - القرن العشرين الميلادي - كما أن المستشرقين استحضروا كل فضائح الكنيسة البابوية في روما إبان صراعاتها السياسية مع إمارات أوروبا في العصور لوسطى بما في ذلك قصص صكوك الغفران ، وفسروا على ضوئه الخلافات السياسية بين الفصائل العربية في بداية انتشار الإسلام ، وفهموا أن علماء الدين الإسلامي على وتيرة ما عرفوه عن بابوات روما ورهبان الزور في الكنيسة المسيحية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت