فهرس الكتاب
فالتاريخ الأوروبي لم يقم على نظرية الإسناد ،فمن المستحيل أن نطبق عليه منهج النقد عند المحدثين القائم على الجرح والتعديل والعلة ، والتاريخ الإسلامي تحصن وتوثق بنظرية الإسناد الذي صانه من الانتحال والتحريف ، فإعمال النقد العقلي - في المنهج الأوروبي - يكون ضربا من العبث المنهجي الذي لا يتفق والعلم .
ولقد مر معنا عند تناول نظرية الإسناد قول عبدالله بن المبارك عندما سئل عن الأحاديث الموضوعة ، قال"تعيش له االجهابذة"أي النقاد المميزون ، وقد قصد ابن المبارك نقاد الأسانيد الذي يعرفون الإسناد الصحيح من الضعيف أو الموضوع ، ولم يقصد العقلاء الذين يعرفون الوضع بمجرد مخالفة الحديث للعقل فهذه لاتحتاج إلى جهابذة .
وبتأمل تاريخ مقاومة المحدثين لحركة الوضع نجد أنه لم ينقل عن أحد منهم ألبتة تعرض لمعايير عقلية في نقد المتون لمعرفة صحتها أو عدم صحتها ، وليس في كتب الجرح والتعديل أو العلل أو غيرها من كتب الحديث حكم على حديث بمجرد العقل أو تضعيف لراو لمجرد أنه يروي ما يخالف العقل .
وهذا المسلك الدقيق في منهج النقد عند المحدثين هو الذي جعل لعلومهم مصداقية راقية المستوى وانضباطا وبعدا عن التناقض والخلل .
فالاعتماد على الإسناد سد الباب أمام أي ظن أو تخمين ، ومنع أية محاولات لجعل قضية النقد خاضعة للذوق الشخصي أو المعايير غير الموضوعية .