إذا كانت الملكية استخلافًا إلهيًّا ومنحةً ربانيةً فإن الذمةَ كذلك منحةٌ أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها، وجعلها قطب الرحى في الحقوق، فصار الإنسان بالذمة أهلًا لوجوب الحقوق له وعليه، فلا يُخلَق الإنسان إلا وله هذه الذمة وهذا العهد، فما معنى مصطلح الذمة؟ ومتى تبدأ؟ ومتى تنتهي؟ وما خصائصها؟ وما الفرق بين الذمة في الفقه الإسلامي والذمة في الفقه الغربي والقانون الوضعي؟! وما علاقتها بأحكام الميراث والوصية؟!
هذا ما سأتناوله فيما يلي:
المبحث الأول: نظرية الذمة (1) في الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالميراث والوصية
المطلب الأول: تعريف الذمة
* الفرع الأول: تعريف الذمة لغةً:
جاء في (تاج العروس) :"والذمام والمذمة: الحق والحرمة، جمع أذمة، ويُقال الذمام، كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، ومن ذلك الذمة- بالكسر- العهد، ورجل ذِمي أي له عهد، والذمة: الكفالة والضمان" (2) ، وقال الزمخشري:"ولفلان ذمة وذمام ومذمَّة: عهد يلزم الذم مضيعه".
ويوصف به المكان فيقال: هذا المكان مذمَّم: محرم له ذمة وحرمة" (3) ، وفي مختار الصحاح (4) : والذِّمام: الحرمة، وأهل الذمة: أهل العقد، وجاء أيضًا: الذمة الأمان في قوله- صلى الله عليه وسلم-:"ويسعى بذمتهم أدناهم" (5) ، وجاء في التعريفات:"الذمة لغةً: العهد؛ لأن نقضه يوجب الذم" (6) ."