هل جاءت بلاغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثمرة طبيعية للتعلم، وهل من الصواب أن ننظر إلى بلاغته - صلى الله عليه وسلم - على أنه أديب موهوب حصَّل الأدوات التي أنمت هذه الموهبة، ووقف على أسباب البلاغة والفصاحة بتأثيرات البيئة والتربية والنشأة والنسب، وما إلى ذلك ؟ هذه القضية يروق لبعض الباحثين في بلاغة الحديث النبوي أن يستهلوا بها مصنفاتهم، وإننا نحسن الظن بهذا المسلك، على الرغم من يقيننا الثابت بأنه يحتاج إلى مراجعة ومزيد من التأمل والتدبر والمناقشة، ليس بوصفه شبهة فقط، ولكن أيضًا ـ ولعله الأهم ـ لأنه قد يؤدى إلى إذكاء شبهة خطيرة، طالما جدَّ بعض المستشرقين في محاولة إثباتها وجعلها مقدمة يخلصون منها إلى نتائج تخدم غرضهم الذي يرمون إليه وهو أن شخص محمد الإنسان يمتلك القدرة اللغوية الفائقة التي أهلته لتأليف القرآن، ومن ثم فإننا هنا ننظر إلى هذه القضية بمنظور أشمل يضع في حسابه تداخلات السياقات المختلفة في العلوم الإسلامية وما يتعلق بها من آراء استشراقية أو استغرابية [1] لا تنأى كثيرًا عن آراء المتصدين للحديث عن بلاغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من يقيننا باختلاف المنطلقات بين الفريقين.
(1) راجع على سبيل المثال معروف الرصافي: الشخصية المحمدية، أو حل اللغز المقدس، ط 1 منشورات الجمل، ألمانيا 2002م .