الصفحة 52 من 56

ولكن على الرغم من حضور هذا البُعد التواصلي الاجتماعي في المعالجة السابقة فإن غياب النص أو الخطاب موضوع البحث والتحليل يطرح أبعادًا لا تخطر لأي مُنظِّر ـ في الغالب ـ على بال مهما كان حذقه، فلكل خطاب بلاغته، ولكل خطاب قدرته على أن يقترح على النظرية من الإضافات والتعديلات ما يحقق لها مزيدًا من التألق والحياة؛ فإن دوام الرؤية التنظيرية واستمرارها مرهون بمرونتها ومدى قدرتها على قبول مقترحات النصوص وألوان الخطاب المختلفة وصهرها في منظومتها، نؤكد بهذا على ضرورة مراعاة خصوصية المحددات السياقية والعناصر التداولية للخطاب في الحديث النبوي الشريف التي لا تتواءم مع كثير من آراء البلاغيين التي كانت شائعة إلى أنواع أخرى من الخطاب، فالأمر في الحديث النبوي الشريف ليس على هذا النحو، فهو ليس حجاجًا حواريًا وإنما خطاب إقناعي وبين الأمرين بونٌ بعيد، فالمتلقي للخطاب في الحديث النبوي الشريف ليس بحاجة إلى حجة، وإن كان بحاجة إلى بيان وتبليغ، فإن أطلقنا على هذا البيان كلمة اقتناع فإنه من الحقائق التي لا جدال فيها أن عملية الاقتناع هنا تنشأ بضمان المحددات السياقية، فالمخاطب مقتنع سلفًا بقدسية النص التي انبنت على مقام المتكلم، وهنا نقول إن الاقتناع لا يعدو أن يكون تمكينًا للحقائق في نفس المتلقي ليتحول الخطاب إلى منجز، إن أقوى دعائم الحجة هنا هي دعائم السياق ولا شيء غير السياق، ومن هنا أيضًا يتضح أن الأقوال العاطفية الخطابية عن قدرته - صلى الله عليه وسلم - الحجاجية، وأن هذه القدرة الحجاجية هي ركيزته - صلى الله عليه وسلم - في دعوة الناس"... فلا بد أن يكون الذي يتولى هدايتهم من الظلمات إلى النور بالبرهان والمنطق أشدهم عارضة وأقواهم حجة" [1] ،

(1) طه عبد الرحمن: الاستعارة بين حساب المنطق, ونظرية الحجاج ص 53..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت