الصفحة 51 من 56

ثم جعل الاستعارة أبلغ وجوه تقيد اللغة بمقام الكلام , ذاهبًا إلى أن هذا المقام يتركب من المتكلم والمستمع ومن أنساقهما المعرفية الإرادية والتقديرية ومن علاقاتها التفاعلية المختلفة، وهذا التقيد الاستعاري بالمقام سبب كاف لأن يجعل الاستعارة تدخل في سياق التبليغ الخطابي بوصفه نسقًا من القيم والمعايير العملية؛ فإن هدف هذا السياق هو بالذات إجراء تغيير في الأنساق الاعتقادية والقصدية والتقويمية للناطقين ودفعهم إلى الانتهاض إلى العمل , ويظهر هذا التوجه العملي للاستعارة في ارتكازه على المستعار منه , سواء أصرح به أم لم يصرح وغالبًا ما يقترن المستعار منه فيها , حاليًا أو مقاميًا , بنسق من القيم العليا؛ إذ ينزل منزلة الشاهد الأمثل والدليل الأفضل , فتكون الاستعارة بذلك أدعى من الحقيقة بتحريك همة المستمع إلى الاقتناع بها والالتزام بقيمها , فالمستعير يقصد أن يغير المقاييس التي يعتمدها المستمع في تقويم الواقع والسلوك , وأن يتعرف المستمع على هذا القصد منه , وعلى معنى كلامه وما يلزمه منه , وأن يكون هذا التعرف سبيلًا لقبوله لخطابه وإقباله على توجيهه، ثم يخلص من تحديد هذه الحقيقة إلى إثبات أمرين: الأول أن وشائج الاتصال قائمة بين الاستعارة ونظام الموازين العملية التي ينبني عليها التواصل الاجتماعي , والآخر إبطال دعوى انحصار الاستعارة في الغاية التحسينية الجمالية الخالصة، أي اقتصار الاستعارة على المفهوم الذي روج له أصحاب اتجاه تحليل الخطاب التخييلي من نقاد وبلاغيين [1] .

(1) سامح شاهين: الحجاج وظواهره البلاغية في الخطابة الرسائل، دراسة مقارنة في الجمهرتين، رسالة ماجستير، مخطوطة بكلية الآداب بدمنهور، جامعة الإسكندرية، بإشراف المؤلف 2006م ص 431، ويراجع أيضًا د. طه عبد الرحمن: الاستعارة بين حساب المنطق, ونظرية الحجاج ص 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت