الصفحة 54 من 56

ولا يختلف التمثيل عن التشبيه كثيرًا في تحقيق هذه الغاية وإن كانا يختلفان في العناصر المكونة لكل منهما، وإن كان لابد أن نعترف بأن التمثيل أمعن في تحقيق عملية التمكين والتمثل للقضايا، ومن هنا كثر التمثيل في الحديث النبوي الشريف، فضرب المثل استحضار لمجموعة من العناصر تربطها علاقات تقوم مقام الدليل وحمل النفس على تصور أشياء، ولن نخوض كثيرًا في رصد مقولات البلاغيين عن التمثيل، فسنقتصر هنا على رصد أثره ـ وفق ما يقتضيه المقام ـ في تحقيق الغاية التمكينية للمضمون التعليمي في الحديث النبوي الشريف، ونشير هنا إلى فكرتين جوهريتين تتعلقان بغاية بحثنا اشتملت عليهما رؤية عبد القاهر الجرجاني للتمثيل:

الفكرة الأولى تتمثل في التفات عبد القاهر الجرجاني إلى البُعد الحجاجي للتمثيل، فقد ذكر البُعد النفسي للتمثيل وأثره على المتلقي بأن المعاني"إذا بَرَزَتْ في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفًا، وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشَغَفًا" [1] ، إن كان مدحًا، وإن كان ذمًّا، وإن كان افتخارًا، ثم قال:"وإن كان حِجاجًا، كان بُرهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبَيَانه أبْهر،...، وإن كان وعظًا، كان أشْفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزَّجر، وأجدر بأن يُجلّي الغَيَاية، ويُبصِّر الغاية، ويُبرئ العليل، ويَشْفي الغليل" [2] .

(1) عبد القاهر: أسرار البلاغة ص 32.

(2) المرجع السابق نفسه والصحيفة نفسها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت