فهرس الكتاب
أما الفكرة الأخرى فتتمثل في التفاته إلى أن أثر التمثيل في التمكين للمعنى المقصود في نفس المتلقي يتحقق في إخراج نفس المتلقي من الخفي إلى الجلي، وفي"أن تأتيها بصريح بعد مكنى، وأن تردَّها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم" [1] ، وذلك بضرب المثل للحال التي يريد المتكلم تمكينها في نفس المتلقي بالحال التي هي متمكنة بالفعل في نفسه نتيجة لمقتضيات نفسية أو معرفية أو اجتماعية، وكثيرًا ما يستعمل التمثيل في الحديث النبوي الشريف في مواضع يكون الشيء المراد التمكين له في النفوس غيبيًا يعسر تصوره في ذاته، فيأتي في بيان أثر العمل وجزائه، أو بيان بعض الأمور الغيبية ومنها الأمور المستقبلية في عالم الشهادة، والأمور التي هي في عالم الغيب بصورة مطلقة، ولا يخفى أن هذه الأمور كلها من العسير تصورها، ومن ثم يأتي التمثيل هنا معينًا على تمكُّن المعنى ـ المقتضى التعليمي التبليغي ـ من نفس المتلقي كتمكُّنه من نفس المتكلم، ومن ثم يحقق ارتياح النفس للعمل بمقتضاها، أي التحول بالقول إلى منجز، ليأتي التمثيل في نهاية المطاف ـ شأن غيره من الظواهر البلاغية ـ تعضيدًا للأمر أو النهي بوصفهما جوهر الغاية التعليمية التي تهدف إلى تمكين الحقائق في نفوس المتلقين في خطاب الحديث النبوي الشريف، فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يقول ليُطرب ويُمتع، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - يقول ليُعلم .
التي تمثل جانبًا من الأصول النظرية لمعالجة بلاغة الحديث النبوي الشريف:
? مراعاة الاختلاف بين غاية الإقناع في الخطاب الحجاجي وغاية التمكين في الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف.
? مراعاة الاختلاف بين المنبع الخيالي للظواهر البيانية في الخطاب الشعري والمنبع الحقيقي لهذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف.
(1) المرجع السابق نفسه ص 92.