ولعل من أوضح مظاهر العدوان على الصحة الفردية والجماعية: التدخين فليس سرا أن مليونين ونصف مليون شخص في العالم يموتون كل عام بأمراض أساسها التدخين، مثل سرطان الرئة، والتهاب القصبات المزمن، والانتفاخ الرئوي، وأمراض شرايين القلب، وسرطان المثانة وهذا يعني وقوع وفاة في كل 13 ثانية من جراء التدخين وإنه لمما يلفت النظر أن أحدا في العالم كله لم يستطع أن يكتشف منفعة واحدة للتدخين فالتبغ مادة ضارة كل الضرر بالفرد وبأسرته وبمجتمعه.
وهذا يجعل التبغ مادة فريدة بين المواد التي يتعاطاها الناس بكثرة في العالم فحتى الخمر قال عنها الله سبحانه:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما". فذكر أن للخمر بعض المنافع ولكنه جعلها محرمة تحريما كاملا بمسبب تفوق الأضرار التي تنجم عنها على فوائدها. فما قولنا بالتبغ الذي ليس له نفع يذكره له أي إنسان، بل إن المدخنين أنفسهم مجمعون على ضرره وأذاه؟.
ولعل من أسوأ أنواع التدخين، ذلك الذي يقال له"التدخين بالإكراه"، ويعنى به استنشاق الشخص غير المدخن لسجائر الغير رغم أنفه، سواء في المكتب أو في وسائل المواصلات، أو في المنزل وفي كل عام يسبب التدخين بالإكراه عددا يتراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف وفاة في الولايات المتحدة، وحوالي ألفا وفاة في بريطانيا وخمسمئة وفاة في كندا كما أن النساء غير المدخنات والمتزوجات من رجال مدخنين، يتعرضن إلى سرطان الرئة بنسبة أكبر كثيرا من النساء المتزوجات من أشخاص غير مدخنين.
وبعد، فلما كان للدين سلطان قوي في نفوس أبناء هذا الإقليم، وكان في الإسلام كثير من المبادىء التى تحفظ علي الإنسان صحته وتدعوه لما يحييه، وتنأى به عن التعرض للمخاطر والأضرار، وترسم له سبل اتقاء المفاسد والآثام، فقد رأى هذا المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية أن يستطلع رأي عدد من جلة علماء الدين حول الحكم الشرعي في التدخين وقد تفضل أصحاب الفضيلة الذين توجهنا بالسؤال إليهم فبعثوا إلينا مشكورين بإجابات وافية مستفيضة، بحثوا فيها الموضوع بالتفصيل وخلصوا إلى ما اطمأنت قلوبهم إلى أنه الحكم الشرعي في التدخين وهو يدور حول الحرمة المطلقة أو الكراهة التحريمية على أقل تقدير.
وقد رأى المكتب الإقليمي أن من واجبه تعميم الانتفاع بهذه الدراسات القيمة وقرر إصدار هذا الكتاب الذي يستفتح بخلاصات الفتاوى، ثم يشتمل على نصوصها الكاملة إتماما للفائدة، ولو كان فيها بعض التكرار، ولاسيما من حيث المعلومات الصحية والطبية التي استند إليها السادة الفقهاء في التوصل إلى فتاويهم وإنا لنرجو أن يستجيب قراء هذا الكتاب لما يقرأونه من حكم شرعي، ويكفوا عن التدخين اتقاء لإقاع المضرة والمفسدة بأنفسهم وأهليهم ومواطنيهم، وتلبية لقول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم يما يحييكم". والله من وراء القصد.
أغسطس 1988، المحرم 1409
"أصبح واضحا جليا أن شرب الدخان، وإن اختلفت أنواعه وطرق استعماله، يلحق بالإنسان ضررا بالغا، إن آجلا أو عاجلا، في نفسه وماله، ويصيبه بأمراض كثيرة متنوعة، وبالتالي يكون تعاطيه ممنوعا بمقتضى هذه النصوص، ومن ثم فلا يجوز للمسلم استعماله بأي وجه من الوجوه، وأيا كان نوعه، حفاظا على الأنفس والأموال، وحرصا على اجتناب الأضرار التي أوضح الطب حدوثها، وإبقاء على كيان الأسر والمجتمعات بإنفاق الأموال فيما يعود بالفائدة على الانسان في جسده، ويعينه على الحياة سليما معافى، يؤدي واجباته نحو الله ونحو أسرته فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف والله سبحانه وتعالى أعلم."