الصفحة 30 من 84

فأراد الصحابة الانتقام والأخذ بالثأر ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم - على الرغم من شدة ما يواجهونه من الأذى والضرر - أمرهم بضبط النفس والتحلي بالصبر، وعدم الرد بالقوة، أو مقابلة العدوان بالعدوان حتى اشتكوا إليه فقالوا: كما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله: (( إنا كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلّة، فقال: (( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ) )فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال، فكفوا، فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} الآية.

وكانت أولى آيات القتال الإذن به وفي هذا دلالة على المطالبة به والحرص عليه لشدّة ما صبروا قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} .

وفيه دلالة على أن الصبر على الدعوة أشدّ من القتال والجهاد في سبيل الله تعالى بدلالة أن القتال جاء فرجًا مما يعانونه من الصبر على أعدائهم.

وأخرج الحاكم عن خبّاب قال: (( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع تحت شجرة، واضع يده تحت رأسه، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله على هؤلاء القوم الذين قد خشينا أن يردّونا عن ديننا، فصرف عني وجهه ثلاث مرات، كل ذلك أقول له فيصرف وجهه عني، فجلس في الثالثة، فقال: (( أيها الناس، اتقوا الله واصبروا فوالله إن كان الرجل من المؤمنين قبلكم ليوضع المنشار على رأسه فيشقّ باثنين، وما يرتدّ عن دينه، اتقوا الله فإن الله فاتح لكم وصانع ) ).

فهنا يطلب خباب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر مع أن خبّابًا قد عُذِّبَ وأوذي أشد الأذى حتى كان يطرح على الجمر فما يطفئه إلا شحم ظهره رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت