فهرس الكتاب
وروى البخاري عن خباب بن الأرت قال: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرّ وجهه فقال: (( لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه. وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله - زاد بيان - والذئب على غنمه ) ).
وكانوا يؤمرون بالاستعانة على تحمّل الأذى والتعذيب بالصلاة التي هي عنوان الصلة الدائمة بالله تعالى، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} .
فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبًا من سنة، فنزل التخفيف.
وقد كانت بغية الشيطان في المواجهة والتصعيد، يشهد لذلك قصّة الزبير بن العوّام رضي الله عنه كما رواها عروة بن الزبير قال: (( إنّ أوّل رجل سلّ سيفه في الله الزبير بن العوام، نفخة نفخها الشيطان: (( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فخرج الزبير يشقّ الناس بسيفه والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، قال: مالك يا زبير؟ قال: أخبرت أنك أخذت، قال فصلى عليه ودعا له ولسيفه )) وفي رواية أخرى (( فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ) ).
وأصبح أهل مكة كل يوم في ازدياد في حرب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر أصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة ليسلموا من أذى قريش وقال لهم: (( إن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ) ).