وقومٌ زعموا أنهم توكلوا على ربهم، وأن الطلب شكٌّ، والرزق يأتي في وقته، فقعدوا؛ رفضًا للطلب، والمكسب، فضيعوا الأهلين والأولاد، ثم في خلال ذلك يتدنسون في أبواب المطامع، ويخادعون الله في معاملته.
وقومٌ اتخذوا هذا العلم الذي هو حجة الله على عباده حرفة، وصيروه مأكلةً، فأكدوا به رئاستهم، واحتظوا به من القلوب، وتمكنوا به في صدور المجالس، وصحبوا به الملوك؛ ختلًا لما في أيديهم من الحطام، فلينوا لهم في القول؛ طمعًا لما في أيديهم، وداهنوهم؛ لما يرجون من نوالهم، وساعدوهم على تجبرهم، وجورهم.
وقومٌ مفتونون، نسبوا إلى الدين، فالتقطوا الرخص، وزلات العلماء، فاتخذوها دينًا، وتدرعوا بذلك إلى شهواتهم الغاوية لهم، وزينوا للخلق ذلك تسترًا على أحوالهم السيئة بذلك من تعاطي الأشربة المردية، والمكسبة الرديئة، وأشباه ذلك.
وأما أهل الضلال، والمشبهة، والقدرية، والجبرية، والجهمية، وأشباههم طلبوا الله من قبل علم البينة، لا من قبله، فضلوا عنه، فاقتضى الله الإسلام للعباد دينًا.
فالإسلام: تسليم النفوس، والدين: الخضوع لله بتسليم النفس إلي.
يقال في اللغة: دان له؛ أي: خضع، والدون مشتق عنه، سمي دونًا؛ للاتضاع.