فهرس الكتاب
تقول: رجعتك إليه، ورجعته إليك رجعت إليه عبودة، فرجع إليك شفقة وعطفًا، عدت إليه بالنفس بذلًا، فعاد عليك بمجده كرمًا، سمحت له بنفسك طاعة، فجاد عليك بفضله وزيادة، والفضل: ثوابه، والزيادة: النظر إليه.
فالصادقون: قوم تابوا صدقًا، فتاب الله عليهم، فأعطاهم نورًا، وقذفه في قلوبهم، فشرح صدورهم من الذي أشرق في قلوبهم، وبرد وهج نفوسهم، وسكن غليان شهواتهم، فأقبلوا على تصحيح أمورهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وعن التخلي عن كل ما نهى الله عنه، دق أو جل، وجاهدوا نفوسهم في ذات الله حق جهاده، فلم يزل هذا دأب أحدهم يجاهد نفسه في شأن الاستقامة لله على سبيل الطاعة، ويأتيه المدد من الله نور على نور، حتى قوي على ترك كثير من الحلال؛ تحصنًا مما نهى الله عنه، حتى دق نظره في الأشياء، وورعه عن دقيق الأمور التي خاف منها النقص غدًا، فيثبت على ذلك يرجو الثواب، ويخاف العقاب، ويطلب الإخلاص في إتيان كل ما أمر الله، والتناهي عن كل ما نهى، يعلم أنه لا يثاب غدًا إلا على الصدق، فهو مشغول بنفسه، لا يتفرغ لغيره فيعيبه، أو يزري على أحد في ريبه، قد أوثقه خوفه من الله وثاقًا، فشغله عن جميع الخلق برعايته.