فهرس الكتاب
شهر، وذلك قوله تعالى: {غدوها شهرٌ ورواحها شهرٌ} .
فكان هذا من الله شكرًا؛ حيث رأى انحطاطه عن درجة الصلاة إلى درجة عرضه الخيل؛ لأنه لا يتوهم على سليمان عليه السلام أنه اعترض الخيل تلذذًا، وتلعبًا بالدنيا، ولكن نبي الله وصفيه، ومحبوه بالملك، إنما اعترض عطية ربه التي أعطاه بلا تبعةٍ ولا حساب، متلذذًا بعطف الله وبرأفته وبعطيته؛ ليحمده ويشكره شكرًا يملأ منه سماءه وأرضه، فيكون حجة الله على ملوك الدنيا المائلين بقلوبهم عن الله بحبها، والمائلين بقلوبهم من أرباب الأموال في الدنيا، فتكون استقامته فيها لله قلبًا وفعلًا، حجة لله على الآخرين، وتعييرًا لهم، فلما رأى ذلك الحب شغله عن حب ما هو أعظم منه، رمى بها كالمعرض عنها حيث رأى النقص، فآثر ما آثره الله على الأشياء؛ لأنه رأى في الصلاة إقبال الله على عبده، ولم ير في العطية إقبالًا، ولا في اعتراضه العطية إقبالًا، فلما رأى فوت الإقبال، هاجت منه حرقة فوت الإقبال، فرمى بها، وتخلى عنه، فشكر الله له تلك الحرقة، فأعطاه ما لم يعط أحدًا من الآدميين، وهو الريح.
والريح أصلها من المشيئة، بعثها إلى الجنة، ثم جعل للآدميين حظًا من تلك في دنياهم لأنفاسهم ومعاشهم.
وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديدٌ} ، فأنبأ العباد أن هذا المال في الأصل قوام العباد في أمر دينهم، به يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون ويتصدقون، ويتقربون إلى ربهم بالوسائل، قال الله تعالى: {ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكرٌ عليمٌ} .
فأعمال الأركان لا تقوم إلا بهذا المال، وعيش الحياة في الأبدان