فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 60

فالسلف كانوا في المرحلة الثالثة، وصلوا إلى حد التمام في التربية بعد انخلاعهم عن شهواتهم ولم يخلقوا هكذا، ولهذا يجد مَن يجد صعوبة في الاقتداء بهم؛ لأنه يريد القفز إلى مرحلة وصلوها هم بعد سنين طويلة من تهذيب النفس. قال ثابت البُناني رحمه الله: (كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة) . وقال محمد بن المنكدر: (كابدت نفسي أربعين عامًا حتى استقامت لي) [1] .

وقد ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه رضوان الله عليهم ثلاثة عشر عامًا في مكة، يربي فيهم شعور الأخوة وعاطفة الانتماء إلى عقيدة واحدة، مدارها على آصرة الإيمان دون النسب؛ لأنها أقوى، في جو من الابتلاء والمحنة؛ لأن الرجولة والفتوة لا تخرج إلا من رحم المحنة، إلى أن بشرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها) [2] . فكانت الأخوة أول قطوف التربية النبوية بعد الهجرة إلى المدينة: قال - صلى الله عليه وسلم: «تَآخَوْا فِي اللهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ» [3] ، ثم نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [4] فارتقى بذلك عقد الأخوة من كونه بين اثنين، إلى أخوة بين جميع المؤمنين. وقد كانت الأخوة أيضًا قاعدة البناء وصِمام الأمان للدولة الناشئة. وكل ما يهددها يهدد الدولة في كيانها. ولهذا شدد القرآن على عدم التفرق وقرنه بالفشل وذهاب الريح: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [5] . ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التدابر والتحاسد والتقاطع والتباغض إلخ ... ؛ لأنها من نواقض الأخوة المؤدية إلى التفرق والنزاع، وبتعبير عصري؛ لأن فيها تهديدًا للأمن القومي للدولة.

(1) أبو نعيم في حلية الأولياء 3/ 147.

(2) السيرة النبوية لابن هشام 3/ 36.

(3) نفسه 2/ 314.

(4) سورة الحجرات، الآية: 10.

(5) سورة الأنفال، الآية: 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت