فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 60

إن ما سبق يدل بجلاء على أن كل الطاقات التي تحشد والجهود التي ترصد، لن تؤتي أكلها ما لم تكن مسبوقة بتربية إيمانية وتزكية قلبية تصل إلى أخوة حقيقية، وهو ما أهمس به في آذان المربين جميعًا.

? ثالثا: الخذلان: «لاَ يَخْذُلُهُ» :

قال - صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ» [1] . فنهى عن خذلانه وحقْره؛ لأنهما من أبشع صور الظلم له. والخذلان حقيقته إسلام أخيك للنوائب والمصائب فلا تعينه ولا تنصره ولا تواسيه، ببدنك أو مالك أو بهما جميعًا. (فإن النصرة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع: بالنفس إنْ احتاج إليك في الأفعال، وباللسان إنْ ظلم في المقال، وبالمواساة إنْ احتاج إلى المال، وأقل ذلك بالقلب، أنْ يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له) [2] .

ولأن المواساة بالمال شديدة على النفس كما قال تعالى عن الإنسان: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [3] ، وقال تعالى أيضا: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [4] ، كان الخذلان أظهر من هذه الناحية، وكان التفريط في حق الأخوة من هذا الجانب أكثر من غيره. (عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: سمي المال؛ لأنه يميل القلوب) [5] .

رُبّ صديق كنت أدعو له أن يجعل الدنيا كمالًا لديه

حتى إذا صار إلى حاجتي ... حقًا وصارت حاجتي في يديه

(1) صحيح مسلم 8/ 10.

(2) أبو طالب المكي في قوت القلوب 2/ 371.

(3) سورة العاديات، الآية: 8. والخير في الآية بمعنى المال كما في قوله تعالى في سورة البقرة، الآية: 180: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أي: مالا.

(4) سورة الفجر، الآية: 20.

(5) النووي في تهذيب الأسماء 1/ 419.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت