فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 60

نواقض الأخوة[1]

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:

اللهم خذ بأيدينا فقد عثرنا، واستر علينا فقد زللنا، وارزقنا الأخوة التي بها تصلح القلوب، والألفة التي بها تطهر الجيوب، حتى نحيا متآخين فيك، آخذين بقول نبيك - صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ» [2] . فأخبر - صلى الله عليه وسلم - مذكرا بحقوق الأخوة بين المسلمين، وحتى لا يفهم أن الأخوة مجرد عاطفة باردة أو هواء ساخن لا أثر له، ذكر بعدها - صلى الله عليه وسلم - أعمالا تدل على صدق هذه الأخوة، ومن دونها لا تستقيم أخوة وإن زعمها الزاعمون.

أيها الإخوة:

الحديث عن الأخوة ليس شعورًا تسطره ولا شعرًا تنثره، ولا شعارًا تكرره، ولكنها شعيرة تتطلب اعتقادًا وقولًا، التزامًا وفعلًا، وفاءً وبذلًا. الحديث عن الأخوة، ليس المقصود منه الجانب العاطفي وحسب، ثم إهمال الجانب الحقوقي، ولا العكس، بل كلاهما في قَرَن، وهما في واقع الأخوة متلازمان تلازُمَ العين مع أختها.

للمسلم على أخيه المسلم حقوق مادية ومعنوية أوجبها عقد الإسلام، وتضافرت النصوص والأدلة على وجوب الوفاء بها بموجب هذا العقد: (اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقًا يجب الوفاء بها قيامًا بحق النكاح فهكذا عقد الأخوة، فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب ... ) [3] . بل ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحقوق تثبت بمجرد الإيمان بلا عقد: (فَهَذِهِ الْحُقُوقُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِ الإِِيمَانِ وَالْتِزَامُهَا بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَالْمُعَاهَدَةِ عَلَيْهَا كَالْمُعَاهَدَةِ عَلَى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَهَذِهِ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ مُؤَاخَاةٍ) [4] . ولا شك أن هذا هو الأصل، وحسب هذا الأصل يتسع مفهوم الأخوة ليشمل حتى الجن المؤمن باعتبار الإيمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» [5] . قال السيوطي رحمه الله تعالى: (وأما تسميتهم إخوانًا في حديث العظم، فباعتبار الإيمان، فإن الأخوّة في الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس) [6] .

فالأخوة في الإسلام أصل عظيم، وهي منه بالمكان الأجلّ. وكان مِن أول ما بدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة هو بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم -، لتنتظم بالأول أمور الدين، وتنضبط بالثاني شؤون الإجتماع.

وقد أخبر المولى عز وجل أن الأخوة سمة المؤمنين في الدنيا فقال - عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [7] ، (وجيء بصيغة القصر المفيدة لحصر حالهم في حال الأخوة، مبالغة في تقرير هذا الحكم بين المسلمين. وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرُّر وجوب الأخوة بين المسلمين؛ لأن شأن {إنما} أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطَب ولا يدفع صحته، أو لِما يُنزل منزلة ذلك) [8] . ثم أكرمهم الله بها

(1) النقض ضد الإبرام وفيه معنى الإٌفساد والهدم. انظر لسان العرب 7/ 242.

(2) صحيح مسلم 8/ 10.

(3) الغزالي في إحياء علوم الدين 2/ 21.

(4) ابن تيمية في مجموع الفتاوى 11/ 101.

(5) سنن الترمذي 1/ 29. وصححه الألباني.

(6) السيوطي في الحاوي 1/ 380.

(7) سورة الحجرات، الآية: 10.

(8) ابن عاشور في التحرير والتنوير 26/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت